
المبعوث الأمريكي: واشنطن تعزز وجودها الاستراتيجي في جرينلاند
أكد المبعوث الأمريكي الخاص إلى جرينلاند، جيف لاندري، أن الوقت قد حان لكي تعيد واشنطن ترسيخ وجودها الاستراتيجي في الإقليم الدنماركي الذي يتمتع بحكم ذاتي. وتأتي هذه التصريحات في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة يشهدها القطب الشمالي، حيث تتسابق القوى العظمى لفرض نفوذها.
وأضاف لاندري خلال أول زيارة رسمية له إلى جرينلاند منذ تعيينه في منصبه في ديسمبر، والتي بدأها يوم الأحد: ‘أعتقد أن الوقت قد حان لكي تعيد الولايات المتحدة بصمتها في جرينلاند، وأنكم ترون الرئيس ترامب يتحدث بوضوح عن زيادة عمليات الأمن القومي وإعادة تأهيل قواعد معينة في الجزيرة القطبية’.
السياق التاريخي للوجود الأمريكي في جرينلاند
لفهم أبعاد هذه التحركات، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية العميقة التي تربط واشنطن بالجزيرة. في ذروة الحرب الباردة، كانت جرينلاند تمثل خط الدفاع الأول للولايات المتحدة ضد أي هجوم سوفيتي محتمل، حيث كان لدى واشنطن 17 منشأة عسكرية موزعة في أنحاء الجزيرة. ومع مرور الوقت وانتهاء الحرب الباردة، أُغلقت معظم هذه المنشآت، ولم يتبقَ سوى منشأة عسكرية واحدة رئيسية هي ‘قاعدة بيتوِفيك’ (المعروفة سابقاً بقاعدة ثول الجوية) في أقصى شمال الجزيرة. الاهتمام الأمريكي ليس وليد اللحظة، ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان شراء جرينلاند من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار نظراً لأهميتها الاستراتيجية، وهو ما يعكس رؤية أمريكية تاريخية ممتدة تجاه الإقليم.
الأهمية الجيوسياسية والاقتصادية للجزيرة القطبية
تكتسب جرينلاند أهمية بالغة في الحسابات العسكرية الأمريكية الحديثة، حيث يرى الرئيس دونالد ترامب أن السيطرة على النفوذ في جرينلاند ضرورة حتمية لضمان الأمن القومي للولايات المتحدة. وتتخوف الإدارة الأمريكية من أنه في حال تراجع دورها، فإن الجزيرة قد تسقط في يد النفوذ الصيني المتصاعد أو الروسي. جغرافياً، يمر عبر جرينلاند أقصر مسار محتمل للصواريخ الباليستية العابرة للقارات من روسيا إلى الولايات المتحدة عبر القطب الشمالي، مما يجعلها نقطة إنذار مبكر حيوية.
على الصعيد الاقتصادي، يُعتقد أن جرينلاند تمتلك احتياطيات هائلة من المعادن الأرضية النادرة غير المستغلة، وهي مواد حاسمة في صناعة التكنولوجيا المتقدمة، والأسلحة، والطاقة المتجددة، والتي تسيطر الصين حالياً على سلاسل توريدها العالمية. ومع ظاهرة الاحتباس الحراري وذوبان الجليد القطبي، تبرز جرينلاند كفاعل حيوي مع ظهور طرق شحن بحرية جديدة قد تغير خريطة التجارة العالمية وتختصر المسافات بين القارات.
تعزيز القواعد العسكرية والاتفاقيات الدفاعية
في خطوة عملية لترجمة هذه الرؤية الاستراتيجية، أشارت تقارير صحفية إلى أن الولايات المتحدة ترغب في افتتاح 3 قواعد عسكرية جديدة في جنوب الجزيرة. هذا التوسع مدعوم قانونياً باتفاق دفاعي أُبرم عام 1951 وجرى تحديثه في عام 2004، والذي يسمح لواشنطن بزيادة نشر القوات والمنشآت العسكرية في الجزيرة، شريطة إبلاغ سلطات الدنمارك وجرينلاند مسبقاً، مما يضمن التنسيق المشترك ضمن مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
التحركات الدبلوماسية والتأثير المتوقع
دبلوماسياً، شهد الموقف الأمريكي تطوراً ملحوظاً يميل نحو الشراكة؛ فقد تراجع ترامب عن تهديداته السابقة بضم جرينلاند التي أطلقها في يناير الماضي، وتم الاستعاضة عن ذلك بتشكيل فريق عمل ثلاثي (أمريكي – دنماركي – جرينلاندي) للتطرق إلى المخاوف الأمنية والاقتصادية المشتركة وبناء شراكة استراتيجية مستدامة.
وتأتي زيارة لاندري، الذي يشغل أيضاً منصب حاكم ولاية لويزيانا، إلى الإقليم الدنماركي بصفته مبعوثاً خاصاً، بغرض المشاركة في منتدى اقتصادي هام يُعقد في العاصمة ‘نوك’ يومي الثلاثاء والأربعاء. من المتوقع أن يترك هذا التحرك تأثيراً إقليمياً ودولياً كبيراً، حيث يعزز الجناح الشمالي للناتو، ويضع حداً لطموحات بكين وموسكو في القطب الشمالي، مع توفير فرص استثمارية ضخمة قد تنعش الاقتصاد المحلي لجرينلاند وتدعم استقلاليتها الذاتية في المستقبل.



