
مبادرة السعودية الخضراء: 85 مشروعًا لمستقبل بيئي مستدام
مع احتفاء العالم في الخامس من يونيو بـ”اليوم العالمي للبيئة”، تكتسب هذه المناسبة أهمية استثنائية في المملكة العربية السعودية، التي تشهد تسارعاً في خطاها نحو مستقبل أكثر استدامة. وفي قلب هذا التحول، تبرز مبادرة السعودية الخضراء كخارطة طريق طموحة، مدعومة بأكثر من 85 مبادرة نوعية تهدف إلى إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وقيادة التغيير الأخضر، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 وأهداف التنمية المستدامة العالمية.
رؤية 2030: حجر الزاوية لمستقبل مستدام
لم تكن هذه الجهود وليدة الصدفة، بل هي نتاج رؤية استراتيجية شاملة انطلقت مع إعلان رؤية 2030. ففي ظل التحديات البيئية العالمية مثل التغير المناخي والتصحر وشح الموارد المائية، أدركت المملكة أهمية التحول نحو اقتصاد متنوع ومستدام. وقد أكد مختصون أن العمل البيئي في المملكة انتقل من الإطار النظري التوعوي إلى مرحلة التطبيق الميداني الشامل، عبر حزمة من الحلول الذكية والتقنيات الحديثة لمكافحة التصحر، وتوسيع الغطاء النباتي، وحوكمة الموارد الطبيعية، بما يضمن بناء مجتمع حيوي واقتصاد معرفي ومستدام يحفظ الأمانة البيئية للأجيال القادمة.
وأوضحوا أن إطلاق أكثر من 85 مبادرة نوعية يبرهن على جدية الالتزام الوطني برفع جودة الحياة وحماية التنوع البيولوجي، من خلال التوسع في المحميات الطبيعية التي باتت تشكل شريان الحياة للكائنات المهددة بالانقراض وتوفر لها بيئات آمنة مدعومة بأنظمة التتبع الذكية.
مبادرة السعودية الخضراء: أهداف طموحة وتأثير عالمي
تُعد مبادرة السعودية الخضراء، التي أُطلقت في عام 2021، الركيزة الأساسية لهذه الجهود، حيث تضع أهدافاً واضحة وطموحة تشمل زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة، وإعادة تأهيل 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وتخصيص 30% من مساحة المملكة كمحميات طبيعية. هذه الأهداف لا تساهم فقط في تحسين البيئة المحلية، بل تضع المملكة في مقدمة الدول المحققة للاستدامة العالمية ومكافحة التغير المناخي.
وفي هذا السياق، أكد المهندس سلطان بن عبدالعزيز الصنيع، المهتم في الطاقة النظيفة والاستدامة، أن مشاريع التشجير المليونية لا تزيد الغطاء النباتي فحسب، بل تعيد تأهيل أراضينا وتضع المملكة في صدارة العمل المناخي. وأشار إلى أن المحميات الطبيعية هي شريان الحياة للتنوع البيولوجي، حيث توفر بيئة آمنة لإعادة توطين الكائنات المهددة بالانقراض، كالمها العربي، وتضمن استعادة التوازن البيئي الطبيعي.
من الوعي إلى الممارسة: دور الفرد والمجتمع
وشدد الخبراء على أن ردم الفجوة بين الوعي والسلوك يتطلب تحويل الاستدامة إلى ممارسة يومية عفوية تبدأ بقرار شخصي في ترشيد الاستهلاك وتقليل النفايات. ويأتي ذلك بالتوازي مع تبني منهجية الاقتصاد الدائري للكربون التي تحول التحديات المناخية إلى فرص استثمارية وإنتاجية واعدة للوطن. وأكد الصنيع أن الوعي لن يتحول إلى سلوك إلا بالتربية والتعليم وربط البيئة بالتدريب والعمل، لنبني جيلاً يرى الاستدامة ممارسة عفوية وليس مجرد شعار سنوي.
من جانبها، أوضحت الدكتورة شروق البسيوني، الباحثة في علم الأحياء، أن الفرد هو العنصر الأكثر تأثيراً في حماية البيئة وإحداث التغيير الإيجابي فيها. فمن خلال ترشيد استهلاك الموارد، وتقليل استخدام الكهرباء والمياه، وإعادة التدوير، ودعم المشاريع والمبادرات البيئية المستدامة، يمكن لكل فرد أن يساهم في المحافظة على البيئة والحد من التلوث.
تحول بيئي شامل لمستقبل مزدهر
بدورها، أكدت الدكتورة نهاء بنت مقعد العتيبي، أستاذ علم البيئة المساعد، أن المبادرات البيئية في المملكة، وفي مقدمتها مبادرة السعودية الخضراء، تمثل خطوة استراتيجية نحو إحداث تحول بيئي شامل. وأوضحت أن هذه الجهود تدعم استعادة التوازن البيئي من خلال إعادة تأهيل الموائل المتدهورة بالتشجير واستصلاح الأراضي ومكافحة التصحر، إلى جانب تنفيذ برامج الإكثار وإعادة التوطين للأنواع المهددة بالانقراض وإطلاقها في مواطنها الطبيعية. هذه الجهود المتكاملة لا تحمي التنوع الحيوي فحسب، بل تضمن استدامة الموارد الطبيعية وتحسن جودة الحياة، لترسم ملامح مستقبل أكثر ازدهاراً للأجيال القادمة.



