محليات

الإحساس بالحرارة: كيف تخدعنا الرطوبة وتجعل الصيف أقسى؟

أكد الدكتور عبد الله المسند، أستاذ المناخ بجامعة القصيم سابقًا ونائب رئيس الجمعية السعودية للطقس والمناخ، أن درجة حرارة الهواء وحدها لا تكفي للحكم على مدى راحة الإنسان في الأجواء الحارة، مشيرًا إلى أن الرطوبة النسبية تُمثل العامل الحاسم في تحديد الإحساس بالحرارة الفعلي الذي يشعر به الجسم. وأوضح أن الاعتماد على ما يُعرف بـ”مؤشر الحرارة” (Heat Index)، الذي يدمج بين درجة الحرارة والرطوبة، يمنح صورة أكثر دقة عن الظروف الجوية الحقيقية وتأثيرها المباشر على الإنسان.

وضرب المسند مثالًا توضيحيًا، حيث قارن بين مدينة داخلية جافة تبلغ درجة الحرارة فيها 45 درجة مئوية مع رطوبة لا تتجاوز 20%، ومدينة ساحلية تسجل 35 درجة مئوية لكن مع رطوبة تصل إلى 80%. في هذه الحالة، يكون الإحساس بالراحة أفضل في المدينة الداخلية رغم ارتفاع درجة حرارتها المسجلة، وذلك بفضل انخفاض الرطوبة الذي يسمح للجسم بتبريد نفسه بكفاءة عبر عملية التعرق.

آلية عمل الجسم وتأثير الرطوبة على الإحساس بالحرارة

يعتمد جسم الإنسان بشكل أساسي على إفراز العرق وتبخره من سطح الجلد للتخلص من الحرارة الزائدة والحفاظ على درجة حرارته الداخلية مستقرة. عندما يتبخر العرق، فإنه يسحب الحرارة من الجلد، مما يؤدي إلى تبريد الجسم. في البيئات الجافة، يكون الهواء قادرًا على امتصاص المزيد من بخار الماء، مما يسرّع من عملية تبخر العرق ويعزز كفاءة التبريد الذاتي للجسم. هذا يفسر لماذا يمكن تحمل درجات حرارة مرتفعة في المناطق الصحراوية بشكل أفضل نسبيًا.

على النقيض، في الأجواء الساحلية الرطبة، يكون الهواء مشبعًا بالفعل ببخار الماء، مما يحد بشكل كبير من قدرته على امتصاص المزيد. هذا الأمر يبطئ عملية تبخر العرق من الجلد، وأحيانًا يمنعها تمامًا. ونتيجة لذلك، يفقد الجسم آليته الطبيعية الأكثر فعالية للتبريد، مما يؤدي إلى تراكم الحرارة والشعور بالضيق والإرهاق، ويزيد من خطورة الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس، حتى لو كانت درجة الحرارة المقاسة أقل من المناطق الجافة.

أهمية مؤشر الحرارة في ظل التغيرات المناخية

يكتسب فهم مؤشر الحرارة أهمية متزايدة على الصعيدين المحلي والعالمي، خاصة مع تزايد وتيرة وشدة موجات الحر نتيجة للتغيرات المناخية. لم يعد الأمر مجرد شعور بالانزعاج، بل أصبح قضية صحة عامة. ففي المناطق ذات الكثافة السكانية العالية التي تشهد صيفًا حارًا ورطبًا، مثل سواحل الخليج العربي والبحر الأحمر، ترتفع المخاطر الصحية بشكل كبير على كبار السن والأطفال والعاملين في الهواء الطلق. إن تجاهل تأثير الرطوبة قد يؤدي إلى تقليل خطورة الموقف واتخاذ احتياطات غير كافية. لذلك، تشدد السلطات الصحية وهيئات الأرصاد الجوية حول العالم على ضرورة متابعة مؤشر الحرارة لاتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة، مثل شرب كميات وافرة من السوائل، وتجنب المجهود البدني في أوقات الذروة، وتوفير أماكن مبردة للسكان.

وشدد الدكتور المسند في ختام حديثه على ضرورة عدم الاكتفاء بمتابعة درجات الحرارة المعلنة، وإنما مراعاة الرطوبة النسبية ومؤشر الحرارة عند تقييم الأجواء، لما لذلك من دور محوري في الحد من مخاطر الإجهاد والإنهاك الحراري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى