
مهلة شهر للاستسلام: الرئيس الكولومبي يتحدى الجماعات المسلحة
في تصريح يعكس تحولاً جذرياً في سياسة الدولة الأمنية، أمهل الرئيس الكولومبي الجديد كافة الجماعات المسلحة في كولومبيا شهراً واحداً لإلقاء السلاح والاستسلام للسلطات. يأتي هذا الإنذار الصارم كأولى خطوات الرئيس المنتخب، الذي بنى حملته الانتخابية على وعود باستعادة الأمن وفرض سيادة القانون، متخذاً موقفاً متشدداً تجاه التنظيمات التي طالما عاثت في البلاد فساداً وعنفاً لعقود طويلة.
وفاز الرئيس الجديد في انتخابات رئاسية شهدت منافسة شديدة، بفارق ضئيل يعكس حالة الاستقطاب في البلاد التي تعاني من أعلى مستويات العنف منذ سنوات. وفي أول خطاب له بعد تأكيد فوزه، وجه رسالة واضحة لا لبس فيها قائلاً: “إلى جميع الخارجين عن القانون، أمامكم شهر واحد لترتيب إجراءات استسلامكم”. وأضاف مؤكداً على حزمه: “في ظل إدارتي، لن تكون هناك عروض سخية أو تنازلات غير مقبولة مثل تلك التي حصلوا عليها من النظام الذي شارف على الانتهاء”.
إرث طويل من الصراع الدامي
يمثل هذا الإعلان نقطة تحول محتملة في تاريخ كولومبيا المعاصر، الذي تشكل بفعل صراع مسلح معقد ومتعدد الأطراف استمر لأكثر من نصف قرن. منذ ستينيات القرن الماضي، انخرطت الدولة الكولومبية في مواجهات دامية ضد حركات تمرد يسارية مثل “القوات المسلحة الثورية الكولومبية” (فارك) و”جيش التحرير الوطني” (ELN)، بالإضافة إلى جماعات شبه عسكرية يمينية وعصابات إجرامية متخصصة في تهريب المخدرات. ورغم توقيع اتفاق سلام تاريخي مع حركة “فارك” في عام 2016، والذي أدى إلى تسريح آلاف المقاتلين، إلا أن العنف لم ينتهِ، حيث ظهرت جماعات منشقة وتوسعت أخرى لملء الفراغ الذي خلفته الحركة، مما أبقى على دوامة العنف في المناطق الريفية والنائية.
استراتيجية جديدة لمواجهة الجماعات المسلحة في كولومبيا
يبدو أن الإدارة الجديدة تستلهم نهجها من سياسات “القبضة الحديدية” التي طبقتها دول أخرى في المنطقة لمواجهة العصابات، مثل تجربة رئيس السلفادور نجيب بوكيلي. فخلال حملته الانتخابية، صرح الرئيس الكولومبي بأنه يعتزم شن هجمات حاسمة ضد المجموعات المسلحة وبناء “سجون ضخمة” لاحتجاز عناصرها. وتتضمن خطته أيضاً تشكيل تحالف عسكري وثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتعزيز القدرات الاستخباراتية والعسكرية للجيش الكولومبي، بهدف تحقيق أهدافه الأمنية وتجفيف منابع تمويل هذه التنظيمات الإجرامية.
تحديات السلام والاستقرار
يحمل هذا النهج الجديد في طياته فرصاً وتحديات. فمن ناحية، قد ينجح في تفكيك بعض الشبكات الإجرامية وإعادة الأمن إلى مناطق فقدت فيها الدولة سيطرتها. ومن ناحية أخرى، يخشى مراقبون من أن يؤدي التصعيد العسكري إلى زيادة معاناة المدنيين العالقين في مرمى النيران، وتفاقم الأزمة الإنسانية في بلد يضم ملايين النازحين داخلياً. ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الجماعات المسلحة في كولومبيا ستستجيب للإنذار وتختار مسار الاستسلام، أم أنها ستتجه نحو مواجهة شاملة ستكون لها تداعيات عميقة على مستقبل السلام والاستقرار في البلاد والمنطقة بأسرها.



