
زيادة إنتاج الأسلحة: هل تنجح قمة الناتو في تجاوز التحدي؟
في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، تجتمع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في قمتها المرتقبة في أنقرة، وهي تواجه تحديًا يتجاوز مجرد الالتزامات المالية، ليطال صميم قدراتها الدفاعية. فبعد سنوات من التعهدات بزيادة الإنفاق العسكري، انتقل التركيز الآن إلى معضلة أكثر إلحاحًا وعمقًا: تحقيق زيادة إنتاج الأسلحة والمعدات العسكرية بالكميات والجودة اللازمة لردع التهديدات المحتملة وتجديد المخزونات المستنزفة. هذه القضية لم تعد مجرد نقاش تقني، بل أصبحت أولوية استراتيجية قصوى ستحدد مستقبل الأمن الأوروبي والعالمي.
يأتي هذا التحول في الأولويات بعد أن ضخت الدول الأعضاء في أوروبا وكندا استثمارات ضخمة في ميزانياتها الدفاعية، والتي شهدت زيادة لافتة بلغت 90 مليار دولار خلال العام الماضي وحده. ومع ذلك، فإن تدفق الأموال لا يترجم تلقائيًا إلى قوة نارية على الأرض. وكما صرح الأمين العام للحلف، فإن “السيولة النقدية جوهرية، لكن لا يمكن وقف صاروخ أو دبابة بالدولار أو اليورو”. هذا التصريح يجسد جوهر التحدي الحالي، وهو تحويل هذه الأموال إلى قدرات قتالية حقيقية وجاهزة في أسرع وقت ممكن، وهو ما سيكون محور الصفقات التي يتوقع أن يبرمها قادة الحلف بمليارات الدولارات على هامش القمة.
من “ريع السلام” إلى ضرورة إعادة التسلح
لفهم حجم التحدي الحالي، لا بد من العودة إلى العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة. خلال تلك الفترة، استفادت معظم الدول الغربية مما عُرف بـ”ريع السلام”، حيث قامت بتقليص جيوشها وتخفيض الإنفاق الدفاعي، مما أدى إلى انكماش كبير في القاعدة الصناعية العسكرية. تغير هذا التوجه بشكل جذري مع ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، والذي دفع قادة الناتو في قمة ويلز إلى التعهد بإنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع. إلا أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022 كان بمثابة جرس إنذار مدوٍ كشف عن أن سنوات من نقص الاستثمار قد تركت فجوات خطيرة في القدرات الصناعية للحلف، خاصة فيما يتعلق بإنتاج الذخائر والمعدات الأساسية.
تحدي زيادة إنتاج الأسلحة في مواجهة الواقع الميداني
لقد أظهرت الحرب في أوكرانيا، بطبيعتها الاستنزافية، مدى سرعة استهلاك الذخيرة والمعدات في الصراعات الحديثة عالية الكثافة. هذا الواقع فرض ضغطًا هائلاً على مخزونات الدول الحليفة التي تقدم الدعم لكييف، وكشف عن نقاط ضعف هيكلية مثل سلاسل التوريد الهشة، وأوقات الانتظار الطويلة لإنتاج أنظمة أسلحة جديدة، والنقص في العمالة الماهرة. وفي المقابل، تمكنت روسيا من تحويل اقتصادها إلى اقتصاد حرب، مما منحها تفوقًا في إنتاج بعض المعدات الحيوية مثل قذائف المدفعية. هذا السباق الصناعي يسلط الضوء على أن التفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين لا يعتمد فقط على التكنولوجيا المتقدمة، بل أيضًا على القدرة على الإنتاج بكميات ضخمة ومستدامة.
نحو سوق دفاعية أوروبية موحدة
يرى العديد من الخبراء والمسؤولين أن أحد الحلول الرئيسية يكمن في تعزيز التكامل الصناعي الدفاعي داخل أوروبا. حاليًا، يعاني القطاع من التجزئة، حيث توجد فعليًا 27 سوقًا دفاعية منفصلة بقواعد وإجراءات شراء مختلفة، مما يعيق تحقيق وفورات الحجم ويحد من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة المبتكرة على النمو. لذلك، تتزايد الدعوات لإنشاء سوق دفاعية أوروبية موحدة، وتشجيع عمليات الشراء المشتركة بين الدول الأعضاء. مثل هذه الخطوة لن تساهم فقط في زيادة الكفاءة وخفض التكاليف، بل ستعزز أيضًا من قدرة أوروبا على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، وتقليل الاعتماد على القدرات الصناعية للولايات المتحدة في أوقات الأزمات.



