محليات

حضرموت والمجلس الانتقالي: صراع النفوذ وترتيب المشهد الجنوبي

تشهد الساحة السياسية في جنوب اليمن تحولات جذرية ومتسارعة، حيث برزت محافظة حضرموت كلاعب محوري يعيد ترتيب أوراق المشهد الجنوبي، متحدية بذلك حالة الاستقطاب الثنائي ومحاولات الهيمنة السياسية التي يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي لفرضها كممثل وحيد للقضية الجنوبية. يأتي هذا الحراك الحضرمي ليؤكد على خصوصية المحافظة التاريخية والجغرافية، ويرسم ملامح جديدة لمستقبل الدولة اليمنية وشكل النظام السياسي القادم.

الأهمية الاستراتيجية والجغرافية لحضرموت

لا يمكن فهم هذا التحول دون النظر إلى الثقل الاستراتيجي الذي تمثله حضرموت. فهي تعد أكبر محافظات اليمن مساحة، حيث تغطي أكثر من ثلث مساحة البلاد، وتمتلك شريطاً ساحلياً طويلاً على بحر العرب، فضلاً عن كونها الخزان النفطي والاقتصادي الأهم للدولة. تاريخياً، حافظت حضرموت دائماً على هوية ثقافية واجتماعية متميزة، جعلت من نخبها وقبائلها يرفضون التبعية المركزية سواء كانت لصنعاء في الشمال أو لعدن في الجنوب، مفضلين دائماً صيغة تضمن لهم إدارة شؤونهم ومواردهم باستقلالية.

مجلس حضرموت الوطني: نقطة التحول

شكل إشهار "مجلس حضرموت الوطني" في العاصمة السعودية الرياض نقطة تحول مفصلية في مسار الأحداث. جاء هذا التشكيل ليجمع شتات المكونات الحضرمية من قبائل، وشخصيات سياسية، وأكاديمية تحت مظلة واحدة، قاطعة الطريق أمام محاولات المجلس الانتقالي لضم المحافظة قسراً إلى مشروعه السياسي. يمثل هذا المجلس الحامل السياسي الجديد لمطالب أبناء المحافظة، والمتمثلة في الندية والشراكة العادلة بعيداً عن الإلحاق أو التهميش، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة قوية لادعاءات التمثيل الحصري للجنوب.

الأبعاد الإقليمية وتأثيرها على المشهد

يحظى الحراك الحضرمي باهتمام إقليمي واسع، وتحديداً من المملكة العربية السعودية التي ترتبط بحدود برية طويلة مع المحافظة. يرى المحللون أن دعم الرياض لتماسك الجبهة الحضرمية يأتي في سياق الحفاظ على الأمن القومي للمملكة وضمان استقرار المناطق الحدودية، بالإضافة إلى خلق توازن سياسي يمنع انفراد أي طرف بالقرار في جنوب اليمن. هذا الدعم الإقليمي يعزز من موقف حضرموت التفاوضي في أي تسويات سياسية قادمة لإنهاء الحرب في اليمن.

مستقبل القضية الجنوبية في ظل المتغيرات

يضع الصعود السياسي لحضرموت علامات استفهام كبيرة حول مستقبل "القضية الجنوبية" بصيغتها التقليدية. فبدلاً من السعي نحو انفصال كامل للجنوب ككتلة واحدة، يطرح النموذج الحضرمي خيار الدولة الاتحادية الفيدرالية بقوة، حيث تكون الأقاليم هي الأساس في الحكم. هذا الواقع يفرض على المجلس الانتقالي وبقية القوى السياسية إعادة حساباتهم، والقبول بحقيقة أن الجنوب ليس كتلة صماء، وأن حضرموت بوزنها وثقلها لن تكون مجرد تابع في أي معادلة سياسية قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى