
أزمة الطاقة في أوروبا: تحديات وحلول حسب وكالة الطاقة الدولية
حذر فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، من أن القارة الأوروبية واجهت أزمتين كبيرتين في قطاع الطاقة خلال أقل من خمس سنوات، مما يسلط الضوء على ضرورة تسريع التحول نحو الاعتماد على الكهرباء النظيفة في قطاعات حيوية كالتدفئة والنقل والصناعة. وتُعد أزمة الطاقة في أوروبا الحالية بمثابة جرس إنذار كشف عن نقاط ضعف هيكلية في أمن الطاقة بالقارة، والتي تراكمت على مدى عقود من الاعتماد المتزايد على مصادر الطاقة المستوردة، وتحديداً الغاز الطبيعي الروسي.
في مقابلة مع صحيفة “فاينانشال تايمز”، أوضح بيرول أن نسبة الكهرباء في مزيج الطاقة الأوروبي لا تتجاوز 23%، وهو مستوى منخفض بشكل مقلق ويقترب من معدلات دول منتجة للنفط مثل الولايات المتحدة، على الرغم من أن أوروبا مستورد صافٍ للنفط والغاز. هذا الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري المستورد جعل اقتصاداتها رهينة للتقلبات الجيوسياسية، وهو ما تجلى بوضوح بعد صدمة إمدادات الغاز الروسي في عام 2022.
جذور الاعتماد الأوروبي وتداعيات الأزمة
تاريخياً، بنت أوروبا نموذجها الصناعي على أساس الطاقة الرخيصة والموثوقة، خاصة الغاز الروسي الذي كان يتدفق عبر شبكة واسعة من خطوط الأنابيب. هذا الاعتماد خلق حالة من الرضا عن الذات، وأدى إلى تأخير الاستثمارات اللازمة في البنية التحتية للطاقة البديلة. وعندما تم تقليص إمدادات الغاز بشكل كبير، واجهت القارة ارتفاعاً هائلاً في الأسعار هدد بإغلاق المصانع وأثقل كاهل الأسر بفواتير باهظة، مما دفع الحكومات إلى تخصيص المليارات لدعم المستهلكين والشركات.
سباق نحو الطاقة المتجددة وتحديات أزمة الطاقة في أوروبا
أكد بيرول أن أوروبا استجابت للأزمة بخطوات إيجابية، حيث نجح الاتحاد الأوروبي في توسيع استخدام الطاقة المتجددة بمعدلات قياسية، وتحسين كفاءة الطاقة، وخفض استهلاك الغاز بنحو 20%. وأضافت القارة مستوى قياسياً بلغ 85 غيغاواط من مشاريع الطاقة المتجددة خلال العام الماضي. ومع ذلك، تبرز عقبة كبرى أمام هذا التحول، وهي القدرة المحدودة لشبكات الكهرباء. وأشار بيرول إلى أن هناك ما يقرب من 600 غيغاواط من المشاريع المكتملة تنتظر الربط بالشبكات، مما يعيق الاستفادة الكاملة من هذه المصادر النظيفة. فبناء الألواح الشمسية وتوربينات الرياح ليس كافياً إذا لم تكن الشبكات قادرة على نقل هذه الطاقة إلى حيث تشتد الحاجة إليها.
مستقبل الطاقة في أوروبا: بين الأهداف الطموحة والواقع
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى رفع نسبة الكهرباء في مزيج الطاقة إلى 32% بحلول عام 2030، مع خطط مستقبلية لوضع أهداف جديدة تمتد حتى عام 2040. تحقيق هذه الأهداف يتطلب استثمارات ضخمة ليس فقط في توليد الطاقة المتجددة، بل أيضاً في تحديث وتوسيع شبكات الكهرباء لتصبح أكثر ذكاءً ومرونة. إن تجاوز هذه التحديات سيحدد قدرة أوروبا على تحقيق أمن الطاقة، والوفاء بالتزاماتها المناخية، والحفاظ على قدرتها التنافسية الصناعية على الساحة العالمية.



