
ظاهرة تكسير التلفزيونات: تحليل نفسي واجتماعي لغضب المونديال
مع كل بطولة كبرى مثل كأس العالم 2026، تتجدد مشاهد الشغف الكروي الجارف الذي يوحد الملايين حول العالم. لكن في المقابل، تطفو على السطح ظاهرة مقلقة ومثيرة للجدل، وهي تكسير التلفزيونات. تنتشر مقاطع الفيديو التي توثق لحظات غضب عارمة لمشجعين يحطمون شاشاتهم تعبيراً عن خيبة الأمل بعد هزيمة فرقهم، لتتحول هذه المشاهد من مجرد ردود فعل فردية إلى ظاهرة تستدعي التحليل من منظور نفسي واجتماعي.
من المدرجات إلى غرف المعيشة: تاريخ من الشغف المفرط
لم تكن ردود الفعل العاطفية القوية غريبة يومًا عن عالم كرة القدم. فاللعبة، بتاريخها الطويل، ارتبطت بالهوية الوطنية والانتماء المجتمعي، مما يجعل الانتصارات مصدر فخر عظيم والهزائم جرحًا عميقًا في الوجدان الشعبي. تاريخيًا، كانت هذه المشاعر تتجلى في المدرجات أو الساحات العامة. لكن مع تحول تجربة المشاهدة إلى المنازل عبر شاشات التلفزيون، انتقلت ساحة التعبير عن المشاعر إلى غرف المعيشة. ومع ظهور منصات التواصل الاجتماعي، وجدت هذه الانفجارات الغاضبة طريقها إلى الانتشار العالمي، حيث لم تعد مجرد حادثة عائلية، بل أصبحت محتوى فيروسيًا يحصد ملايين المشاهدات، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان البحث عن الشهرة اللحظية قد أصبح دافعًا إضافيًا لهذه السلوكيات.
سيكولوجية الهزيمة: لماذا يلجأ البعض إلى تكسير التلفزيونات؟
يوضح المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري أن ظاهرة تكسير التلفزيونات تعكس حالة من الارتباط العاطفي المفرط بنتائج المباريات. فبعض المشجعين يربطون قيمتهم الذاتية و حالتهم النفسية بأداء فريقهم، لتصبح الخسارة بمثابة هزيمة شخصية. ويضيف الناشري أن التشجيع الرياضي في جوهره يقوم على الانتماء والدعم، لكنه قد يتجاوز حدوده الطبيعية ليصل إلى مرحلة التعصب والانفعال غير المبرر. فالمشجع الحقيقي يدعم فريقه في الفوز والخسارة، بينما يعكس تحطيم الممتلكات حالة من فقدان السيطرة على المشاعر بدلاً من قوة الانتماء. هذه السلوكيات الاندفاعية قد تكون وسيلة لتفريغ شحنات الإحباط والتوتر المتراكمة، حيث يصبح التلفزيون، بصفته نافذة الحدث، هدفًا ماديًا لتفريغ هذا الغضب.
ما وراء الشاشة المحطمة: التأثير الاجتماعي والثقافي
لا يقتصر تأثير هذه الظاهرة على الخسارة المادية لصاحب التلفزيون المحطم، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية. إن انتشار هذه المقاطع يساهم في تطبيع فكرة أن العنف وتدمير الممتلكات هو رد فعل مقبول على خيبة الأمل. كما يشير الناشري إلى أن استغلال منصات التواصل الاجتماعي بعد المباريات لنشر السخرية المتبادلة والتعليقات الغاضبة يمثل سلوكًا غير حضاري يبتعد عن رسالة الرياضة الإنسانية. ويحذر من أن بعض هذه المقاطع قد يكون هدفها الأساسي هو البحث عن الشهرة وزيادة التفاعل، مما يشجع على تقليد هذه التصرفات الخطرة دون إدراك لآثارها السلبية على الأسرة والمجتمع، وترسيخ ثقافة التعصب بدلاً من الاحترام المتبادل.
ويقدم الناشري مجموعة من النصائح للمشجعين، أبرزها الاستمتاع بالمباريات بروح إيجابية، وتقبل الفوز والخسارة كجزء طبيعي من المنافسة، وتجنب الانجرار وراء الاستفزازات. ويشدد على أهمية أن يكون التشجيع وسيلة للمتعة والتقارب، لا سببًا للخلافات والخسائر المادية والمعنوية. فالمشجع الواعي هو من يصفق لفريقه عند الفوز، ويقف معه عند الخسارة، ويحافظ في كل الأحوال على أخلاقه وروحه الرياضية.



