
مختصون لـ«اليوم»: التقنية والتطوع المتخصص يعيدان رسم مستقبل العمل الإنساني
وأوضحوا في حديثهم لـ «اليوم» بمناسبة اليوم العالمي للعمل الإنساني، الذي يوافق 19 أغسطس من كل عام، أن تأهيل العاملين والمتطوعين، وتوظيف التقنيات الحديثة، وتعزيز الشراكات بين القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، تمثل ركائز رئيسة لرفع كفاءة الاستجابة الإنسانية وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، مؤكدين أن العمل الإنساني لم يعد جهدًا فرديًا أو موسميًا، وإنما مسؤولية مجتمعية مستمرة تقوم على التنظيم والتخصص والتكامل واستدامة الأثر.

دعم نفسي
أوضحت الأخصائية النفسية نورة اليزيد، أن العمل الإنساني تطور من تقديم المساعدات العاجلة إلى مفهوم أشمل يتضمن الاستعداد المسبق والاستجابة السريعة والتعافي وبناء قدرة المجتمعات المتضررة على الصمود، مع إعطاء اهتمام أكبر لاحتياجات الفئات الأكثر ضعفًا ومراعاة الجوانب النفسية والاجتماعية إلى جانب الاحتياجات الأساسية.
نورة اليزيد
وأشارت إلى أن تزايد حجم الأزمات وتعقيدها، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة، ومحدودية الموارد، وضغوط العمل والمخاطر التي قد يتعرض لها العاملون والمتطوعون، تعد من أبرز التحديات، إلى جانب ضرورة التنسيق بين الجهات المختلفة لتجنب ازدواجية الجهود وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.

تأهيل العاملين
أكدت اليزيد أن تأهيل العاملين والمتطوعين عنصر أساسي في نجاح العمل الإنساني، لما يمنحهم من قدرة على تقييم الاحتياجات، واتخاذ القرارات المناسبة، وإدارة المخاطر، وتقديم الإسعافات الأولية والدعم النفسي الأولي، والتعامل مع الفئات الأكثر عرضة للخطر بمهنية واحترام، بما يحفظ كرامة المستفيدين ويقلل الأخطاء أثناء الاستجابة.
وأضافت أن التقنيات الحديثة أسهمت في تطوير العمل الإنساني من خلال جمع البيانات وتحليلها، وتحديد المناطق والفئات الأكثر احتياجًا، وتسريع التواصل وتنسيق الجهود، مشيرة إلى إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والخرائط الرقمية والطائرات المسيّرة وأنظمة الإنذار المبكر والمنصات الإلكترونية، مع ضرورة حماية خصوصية البيانات وعدم استبعاد الفئات التي لا تستطيع الوصول إلى التقنيات الرقمية.

مسؤولية مشتركة
شددت اليزيد على أن العمل الإنساني لا يقتصر على الإمكانات المادية، فقد تكون الكلمة الطيبة، أو الدعم النفسي، أو التطوع بالوقت والخبرة، أو مساعدة شخص على الوصول إلى الخدمة المناسبة ذات أثر كبير، مؤكدة أن حماية كرامة الإنسان ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا مسؤولية مشتركة.
وأكدت المشرف على إدارة التطوع والمسؤولية المجتمعية بجامعة جدة الدكتورة أريج علي باعشن، أن العمل الإنساني أصبح منظومة متكاملة تشمل الاستعداد المبكر والاستجابة السريعة والتعافي وبناء قدرة المجتمعات على الصمود، مع الاستفادة من التقنية وتعزيز الشراكات وتفعيل مفهوم التطوع المتخصص.
د. أريج باعشن
أبرز التحديات
أوضحت باعشن أن من أبرز التحديات التي تواجه العاملين في المجال صعوبة الوصول إلى المتضررين والمخاطر التي قد يتعرض لها العاملون والمتطوعون في الميدان، وهو ما يجعل التدريب والتأهيل ضرورة لضمان جودة الاستجابة وسلامة المشاركين فيها.
وأضافت أن تدريب المتطوعين يسهم في رفع مستوى الأداء، وتسريع الاستجابة، وتحسين القدرة على تحديد الاحتياجات وإيصال المساعدات بعدالة وكفاءة إلى الفئات الأكثر احتياجًا، مع تقليل الأخطاء والمخاطر، مشيرة إلى دور الجامعات في تدريب المتطوعين وفق طبيعة واحتياجات الفرص التطوعية بما يعزز جودة العمل الإنساني واستدامته.

توجيه الموارد
أشارت باعشن إلى أن التقنيات الحديثة والابتكار يساعدان على سرعة رصد الاحتياجات وتحديد مواقع المتضررين وتنسيق جهود الإغاثة وتوجيه الموارد بدقة، مما يقلل الوقت والجهد ويرفع كفاءة الاستجابة في أوقات الأزمات.
وأكدت أن الشراكات بين مختلف القطاعات تسهم في توحيد الجهود وتكامل الموارد والخبرات وتوسيع نطاق الوصول إلى المستفيدين، مشيرة إلى حرص جامعة جدة على استقطاب شراكات نوعية تدعم استدامة المبادرات وتحقيق أثر مجتمعي طويل المدى.
صناعة الأثر
وقالت باعشن إن اليوم العالمي للعمل الإنساني يمثل مناسبة للتأكيد على أن العمل الإنساني مسؤولية مشتركة، وأن كل جهد مهما كان بسيطًا قادر على صناعة أثر، داعية إلى تعزيز ثقافة العطاء والتطوع وبناء مجتمع أكثر تكاتفًا واستدامة.
وأوضح مدير عام المسؤولية المجتمعية بأمانة جدة، المهندس هتان بن هاشم حموده، أن العمل الإنساني شهد تحولًا واضحًا من الجهود الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم، إذ أصبحت الجهات الحكومية والقطاعات المختلفة تستقطب المتطوعين وتنظم الفرق التطوعية، إلى جانب توسع الجمعيات المتخصصة في مجالات متعددة.
م. هتان حموده
رفع مستوى المهنية
أكد حموده أن التدريب والتأهيل مطلب أساسي قبل مشاركة المتطوع في الميدان، مشيرًا إلى أن موسم الحج يقدم نموذجًا واضحًا لأهمية التطوع المتخصص، من خلال ما يقدمه المتطوعون المؤهلون في المجالات الصحية والإسعافية والتوجيه والإرشاد والتعامل مع الأغذية وغيرها من الخدمات، بما يعكس أثر التدريب في رفع مستوى المهنية وجودة الخدمة المقدمة.
وأضاف أن التقنية أصبحت عنصرًا مساندًا في العمل الإنساني، سواء في معرفة بعض المعلومات اللازمة للتعامل مع الحالات أو الاستفادة من تقنيات تحديد المواقع للوصول إليها بصورة أسرع، وهو ما يسهم في اختصار الوقت ورفع كفاءة الاستجابة.
تدريب المتطوعين
أشار حموده إلى أهمية الدور الذي يؤديه القطاع غير الربحي والجمعيات المتخصصة، إذ يسهم تخصص الجمعيات في رفع جودة التطوع؛ فهناك جهات متخصصة في التعامل مع الأغذية، وأخرى في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة وغيرها من المجالات، بما يتيح تدريب المتطوعين وفق احتياجات كل مجال وتنفيذ المشاريع التخصصية بصورة أكثر كفاءة.
وأكد أن العمل الإنساني لا ينبغي أن يرتبط بيوم واحد في العام، بل هو رسالة مستمرة وقيمة راسخة، تتجسد في خدمة الإنسان ومساعدة المريض والمحتاج وتقديم الوقت والخبرة لمن يحتاجهما، مضيفًا أن العمل الإنساني بالنسبة للمجتمع المسلم يرتبط أيضًا بقيم دينية تحث على العطاء والتكافل.
واختتم بالقول إن العمل الإنساني «ليس يومًا، وإنما رسالة»، وإن خدمة الآخرين تجمع بين كسب الأجر وصناعة الأثر، بما يعزز قيم التكافل والتعاون والمسؤولية المجتمعية.



