
ولي العهد في باريس.. زيارة تُعمق شراكة استراتيجية سعودية فرنسية في كافة المجالات
وتعكس تلك الزيارة حرص السعودية وفرنسا على تعزيز شراكتهما الاستراتيجية الشاملة، واستثمار إمكاناتهما السياسية والاقتصادية في خدمة المصالح المشتركة، في ظل ما تشهده العلاقات بين البلدين من تطور متسارع.

دعم القضية الفلسطينية
قادت المملكة العربية السعودية وفرنسا الجهود الدولية الرامية إلى دعم القضية الفلسطينية وتحقيق حل الدولتين، وتجلّى ذلك في رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية، المنعقد في مدينة نيويورك في سبتمبر 2025م.
وهدف المؤتمر إلى رسم مسار واضح يُفضي إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وأسفر عن “إعلان نيويورك”، الذي شكّل المحرك الدبلوماسي الرئيس لرفع عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 159 دولة حتى الآن.
علاقة سعودية فرنسية وثيقة

وعزّز تبادل الزيارات بين قيادتي البلدين أواصر العلاقات وطوّر التعاون في إطار الشراكة الاستراتيجية الجامعة بينهما، حيث زار سمو ولي العهد -حفظه الله- الجمهورية الفرنسية في شهر يوليو 2022م، وشهر يونيو 2023م، كما زار فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية المملكة في شهر ديسمبر 2021م، وشهر ديسمبر 2024م.
وتجمع البلدين إرادة مشتركة للإسهام في تحقيق الأمن والاستقرار والسلام إقليمياً ودولياً، وتتجلى في جهودهما الدبلوماسية لصون أمن الملاحة البحرية وحريتها. وتعدّ فرنسا المملكة حليفاً وثيقاً يؤدي دوراً رئيساً في الحفاظ على الأمن والسلم الإقليمي، مما يدفع الرئيس الفرنسي إلى التشاور المستمر مع سمو ولي العهد بشأن القضايا والأزمات الراهنة وسبل معالجتها.
وتمتد أوجه التعاون بين البلدين لتشمل المجالات الدفاعية بما يخدم مصالحهما المشتركة ويُسهم في تحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً، فضلاً عن العمل المتواصل على رفع مستوى التنسيق الأمني بينهما، ولا سيما في مجالات مكافحة الجرائم بجميع أشكالها ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما والأمن السيبراني.
الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين المملكة وفرنسا
يسعى البلدان إلى التعاون والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة والكهرباء وكفاءة الطاقة والابتكار وتقنيات إزالة الكربون، وتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة بما فيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتطوير مشـروعاتها، والنقل والتوزيع والتخزين وأتمتة الشبكات، والتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والهيدروجين والكهرباء منخفضة الانبعاثات، إضافة إلى البترول وإمداداته والبتروكيماويات، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
يسعى البلدان لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية وتنمية التبادل التجاري بينهما، من خلال انتظام عقد اجتماعات مجلس الأعمال السعودي الفرنسي، وتكثيف تبادل الزيارات بين الوفود التجارية والاستثمارية، وتشجيع إقامة المشاريع المشتركة، وعقد الفعاليات التجارية والاستثمارية، لبحث الفرص الواعدة في عدد من القطاعات الاستراتيجية، وقد أثمرت هذه الجهود في بلوغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 11.5 مليار دولار في عام 2025م.
شهد منتدى الاستثمار السعودي الفرنسي الذي عُقد في شهر ديسمبر 2024م، تحت شعار “رؤية المملكة 2030 وخطة فرنسا 2030” اجتماعات طاولة مستديرة تناولت موضوعات جودة الحياة، والبنية التحتية، والترفيه، والتحول الاقتصادي، والتقنية، وجرى خلاله المنتدى توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بين مؤسساتٍ من القطاعين الحكومي والخاص في البلدين، وتعد فرنسا من أكبر الدول استثماراً في المملكة حيث بلغ عدد الشركات الفرنسية التي تعمل في المملكة ٦٥٠ شركة منها (٣٩) اتخذت من المملكة مقراً إقليمياً لها.
يثمن الجانب الفرنسي دور المملكة في دعم توازن أسواق النفط العالمية واستقرارها، وفي تعزيز موثوقية الإمدادات بصفتها مُصدراً رئيساً للنفط الخام، كما يثمن الجهود والمبادرات التي بذلتها المملكة لضمان استمرار ومرونة سلاسل الإمداد من خلال استخدام مسارات تصدير بديلة وعلى رأسها خط أنابيب (شرق – غرب) والذي أسهم في الحد من تقلبات الأسواق وعزز أمن الطاقة العالمي، كما يربط البلدين علاقات تجارية ومشروعات مشتركة في مجال النفط الخام والغاز ومشتقاتها والصناعات البتروكيماوية وعلى رأسها مجمع “ساتورب” في الجبيل ومشروع “أميرال”.
يتعاون البلدان في مجال دعم المشروعات والشركات المرتبطة بتحقيق رؤية السعودية 2030، وتعزيز تمويل الصادرات الفرنسية والمشروعات المشتركة حيث تم توقيع مذكرة تفاهم بين صندوق الاستثمارات العامة والبنك الاستثماري الوطني الفرنسي في ديسمبر 2024م بهدف تعزيز التعاون وتقديم خدمات دعم تمويل بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار لمدة خمس سنوات، كما وقع برنامج الربط الجوي السعودي اتفاقية تعاون مع مجموعة (Air France-KLM) لإطلاق رحلات مباشرة بين مطار شارل ديغول في باريس والرياض ابتداءً من صيف 2025م.
يلتزم البلدان بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي، واتفاقية باريس، وضرورة تطوير الاتفاقيات المناخية وتنفيذها بالتركيز على الانبعاثات وليس على المصادر، ويحظى دور المملكة الريادي في العمل المناخي بإشادة الجانب الفرنسي، بما في ذلك إطلاق (مبادرة السعودية الخضراء) على المستوى الوطني، و(مبادرة الشرق الأوسط الأخضر) على المستوى الإقليمي والعالمي.
الثقافة والسياحة.. جسر يربط الرياض بباريس
أرست المملكة العربية السعودية دعائم علاقتها الثقافية مع فرنسا من خلال تأسيس اللجنة الوزارية السعودية-الفرنسية عام 2018م، بهدف الإشراف على التطوير الشامل لمحافظة العُلا وتحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية. وانصبّ عمل اللجنة على حماية التراث وتطويره وصون المواقع الأثرية والتاريخية، وتمكين التبادل الفني بين البلدين، وجذب الاستثمارات الفرنسية والعالمية للمحافظة، إضافة إلى التطوير البشري وبناء القدرات.
وتتنوع مجالات التعاون الثقافي بين البلدين لتشمل تطوير منتجع شرعان المبتكر المنحوت داخل الصخور من تصميم المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل، وتنفيذ مشروع ترام العُلا الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة ألستوم الفرنسية.
وتُشكل مؤسسة “فيلا الحجر”، أول مركز ثقافي سعودي-فرنسي مشترك في العُلا، منصةً للإبداع والفنون البصرية والتبادل الفني وتدريس اللغة الفرنسية لأبناء المحافظة وبناتها، بما يُؤهّلهم لقطاع الضيافة والسياحة، ويعزز القدرات الوطنية في علم الآثار، ويتيح تقديم عروض مشتركة للأوركسترا والكورال الوطني السعودي وأوركسترا دار الأوبرا الملكية الفرنسية.
وانتقل التعاون السياحي في يونيو 2026م إلى مستوى تنفيذي متقدم بتوقيع برنامج عمل مشترك يستهدف تنمية الموارد البشرية والتدريب السياحي وجذب الاستثمار والسياحة المستدامة وتنافسية الوجهات وتبادل الخبرات والتقنيات الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي المرتبط بالسياحة، في تجسيد واضح لأولوية هذا القطاع ضمن الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
وختم سمو ولي العهد زيارته للجمهورية الفرنسية بحضور حفل اختتام بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026م في باريس، في أول نسخة من البطولة تُقام خارج المملكة، وهو حدث استثنائي عكس عمق العلاقات السعودية الفرنسية ومتانتها. وقد أعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن شكره للمملكة على ثقتها في اختيار باريس لاستضافة هذه النسخة، واصفاً إياها بأنها سابقة يعتز بها كثيراً.



