اقتصاد

مصر ودبلوماسية الطاقة: استراتيجية التحول لمركز إقليمي عالمي

في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية والاقتصادية، تواصل مصر تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية من خلال تفعيل ما يُعرف بـ «دبلوماسية الطاقة». لم يعد قطاع الطاقة في مصر مجرد مورد لتلبية الاحتياجات المحلية، بل تحول إلى أداة فاعلة للنفوذ الجيوسياسي، مدعوماً باكتشافات الغاز الضخمة ومشاريع الربط الكهربائي العابرة للحدود.

من الاكتفاء الذاتي إلى المركز الإقليمي

تعود جذور هذا التحول إلى الاكتشافات الكبرى في حقول الغاز الطبيعي، وعلى رأسها حقل «ظهر» العملاق في البحر المتوسط عام 2015. هذا الاكتشاف لم يمكن مصر من تحقيق الاكتفاء الذاتي فحسب، بل وضعها على خريطة مصدري الطاقة العالميين. وقد استثمرت القاهرة هذا المورد لتأسيس «منتدى غاز شرق المتوسط» (EMGF)، الذي يتخذ من القاهرة مقراً له، ليصبح منصة دولية تجمع منتجي ومستهلكي الغاز في المنطقة، مما عزز من ثقل مصر السياسي كلاعب لا غنى عنه في أمن الطاقة الأوروبي.

الربط الكهربائي: جسر بين القارات

لا تقتصر دبلوماسية الطاقة المصرية على الغاز الطبيعي، بل تمتد لتشمل مشاريع طموحة للربط الكهربائي. تسعى مصر لتكون جسراً للطاقة بين ثلاث قارات، حيث قطعت أشواطاً كبيرة في مشاريع الربط مع المملكة العربية السعودية، لتبادل الأحمال في أوقات الذروة، بالإضافة إلى مشاريع الربط مع السودان جنوباً. والأهم من ذلك، الاتفاقيات الاستراتيجية للربط الكهربائي البحري مع اليونان وقبرص، والتي تهدف إلى تصدير الكهرباء (بما فيها الطاقة المتجددة) إلى أوروبا، مما يجعل مصر شريكاً حيوياً للقارة العجوز في ظل أزمات الطاقة العالمية.

الأبعاد الاقتصادية والجيوسياسية

يحمل هذا التوجه أبعاداً اقتصادية هامة، حيث يساهم قطاع الطاقة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوفير العملة الصعبة. جيوسياسياً، عززت هذه التحركات من علاقات مصر مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي، حيث باتت القاهرة ركيزة أساسية في معادلة أمن الطاقة في حوض البحر المتوسط. وفي ظل التوترات العالمية الحالية والحاجة الملحة لتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الاعتماد الأحادي، تبرز مصر كبديل موثوق ومركز لوجستي لتسييل وتصدير الغاز، مما يمنحها أوراق ضغط وتفاوض قوية في الساحة الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى