
في ذكرى البيعة.. مختصون لـ«اليوم»: التحول الرقمي نقل الخدمة من المعاملة الورقية إلى الجوال
خلال 12 عاماً من عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، لم يقتصر التحول الذي شهدته المملكة على تطوير البنية التحتية والخدمات، بل امتد إلى إعادة صياغة العلاقة اليومية بين المواطن والجهات الحكومية، في واحدة من أبرز صور التحول المؤسسي الذي جعل التقنية جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
فالمعاملة التي كانت تبدأ بملف ورقي، وتنقل المواطن إلى مقر الجهة الحكومية، وتفرض عليه الانتظار وتكرار المراجعات، أصبحت في كثير من الحالات تبدأ من شاشة الهاتف، وتنتهي إلكترونياً دون الحاجة إلى زيارة مقر الجهة. وبين الصورتين، تغير مفهوم الحصول على الخدمة الحكومية من «مراجعة جهة» إلى «الوصول إلى خدمة»، ومن الاعتماد على الوثيقة الورقية إلى الهوية الرقمية والبيانات المترابطة.
ويرى مختصون في التقنية وأمن المعلومات ونظم المعلومات، في حديثهم لـ«اليوم»، أن السنوات الـ12 الماضية شهدت تحولاً يتجاوز رقمنة الإجراءات إلى إعادة تصميم تجربة المستفيد نفسها، مؤكدين أن المرحلة المقبلة تتجه نحو خدمات أكثر تكاملاً واستباقية، بحيث لا يقتصر دور الحكومة الرقمية على تمكين المواطن من تقديم الطلب إلكترونياً، بل الوصول إلى الخدمة بأقل عدد ممكن من الخطوات.
من «الحكومة الإلكترونية» إلى «الحكومة الاستباقية»
ويؤكد المختصون أن المرحلة المقبلة لن تتوقف عند مفهوم «الحكومة الإلكترونية» التي تتيح للمواطن تنفيذ معاملته عبر الإنترنت، وإنما تتجه نحو حكومة رقمية مترابطة تعتمد على الهوية الرقمية والبيانات والذكاء الاصطناعي والتكامل بين الجهات، وصولاً إلى الخدمات الاستباقية التي يحصل فيها المستفيد على الخدمة بأقل عدد ممكن من الخطوات، وربما دون الحاجة إلى تقديم طلب عندما تكون البيانات الحكومية كافية لإثبات استحقاقه.
وبين صورة المواطن الذي يحمل ملفاً ورقياً ويتوجه إلى مقر الجهة الحكومية، وصورته اليوم وهو ينجز معاملته من هاتفه، تتجسد قصة 12 عاماً من التحول الرقمي.
فالتغيير لم يكن في وسيلة تقديم الخدمة فحسب، بل في العلاقة نفسها: من مواطن يراجع الحكومة لإنجاز معاملة، إلى مستفيد تتاح له الخدمة في الوقت والمكان اللذين يختارهما؛ ومن حكومة تنتظر المراجعة، إلى حكومة تعمل على مدار الساعة عبر منظومة رقمية تتجه تدريجياً إلى أن تكون أكثر تكاملاً وذكاءً واستباقية.
من حقيبة الوثائق إلى شاشة الهاتف
ويقول الحبشي إن المخترع كان يسافر من جدة إلى الرياض حاملاً ملفات ووثائق اختراعاته، متوجهاً إلى مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية لإيداع ملف الاختراع ومتابعة إجراءاته، مشيراً إلى أن التحدي لم يكن مرتبطاً بالفكرة والاختراع فقط، بل بالمسافة التي كان يتعين على المخترع قطعها للوصول إلى الجهة التي تستقبل معاملته.
ويضيف أن المشهد تغير بصورة كبيرة خلال السنوات الـ12 الماضية، إذ لم تعد رحلة المخترع تبدأ بالضرورة من حقيبة وملف وسفر، وإنما من منصة رقمية وشاشة هاتف، بعد أن تطورت الخدمات الحكومية الإلكترونية وأصبحت إجراءات متعددة مرتبطة بالملكية الفكرية والبحث والابتكار والتواصل مع الجهات الحكومية تتم عن بُعد.
ويرى أن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي لا تكمن في مجرد استبدال الورق بملف إلكتروني، وإنما في تغيير فلسفة الخدمة الحكومية نفسها؛ فبدلاً من انتقال المواطن إلى الجهة الحكومية، أصبحت الخدمة تنتقل إليه.
ويؤكد أن هذا التحول كان أكثر أهمية للباحث والمخترع، لأن رحلة الابتكار طويلة بطبيعتها، وكل وقت يتم توفيره في الإجراءات والمراجعات يمكن أن يتحول إلى وقت إضافي في المختبر أو تطوير نموذج أولي أو اختبار تقنية جديدة.
ويختصر الحبشي الفرق بين الماضي والحاضر في مشهدين؛ الأول مخترع يحمل ملف اختراعه ويسافر به إلى الرياض، والثاني مخترع يحمل اختراعه في ملف رقمي ويستطيع أن يبدأ جزءاً كبيراً من رحلته من هاتفه أينما كان.
ويطمح إلى أن تنتقل المنظومة خلال المرحلة المقبلة من الخدمات الرقمية إلى منظومة ابتكار رقمية متكاملة تبدأ من الفكرة وحماية الملكية الفكرية، مروراً بالبحث والتطوير والتمويل، ووصولاً إلى تحويل الاختراع إلى منتج ودخوله السوق العالمية.
«أبشر».. نقطة التحول في الخدمة الحكومية
أحمد الثقفي
ويشير إلى أن نجاح تجربة «أبشر» أسهم في تغيير مفهوم الخدمة الحكومية، من خلال ربط الهوية الوطنية بالخدمات المقدمة للمواطن والمقيم والزائر، لتصبح عبارة «عندك أبشر؟» انعكاساً لانتقال شريحة واسعة من التعاملات اليومية إلى البيئة الرقمية.
ويرى الثقفي أن التجربة لم تكن مجرد إطلاق منصة إلكترونية، بل كانت نموذجاً لتغيير طريقة تقديم الخدمات، خصوصاً مع حساسية الخدمات المرتبطة بقطاعات الداخلية والأمن والجوازات والمرور والأحوال المدنية.
ويؤكد أن التطور الرقمي امتد إلى قطاعات متعددة، من الخدمات المصرفية والمالية إلى الصحة والعدل والعقار، لافتاً إلى أن المواطن بات قادراً على تنفيذ عدد كبير من الإجراءات التي كانت تستوجب زيارة الفروع من هاتفه.
من المعاملة إلى «رحلة رقمية» متكاملة
ولا يقتصر التحول، بحسب الثقفي، على الخدمات الفردية، بل امتد إلى قطاعات كاملة أعيد تصميم إجراءاتها رقمياً.
ففي القطاع العقاري، انتقلت الخدمات من أتمتة المعاملة إلى بناء منظومة رقمية تشمل التملك والإيجار والتوثيق والبيانات العقارية، فيما أسهمت منصات مثل «سكني» و«إيجار» في اختصار مراحل متعددة من الإجراءات، وتحويل جزء كبير من العلاقة بين المستفيد والقطاع العقاري إلى البيئة الرقمية.
كما أصبحت الخدمات العدلية عبر «ناجز» أكثر ارتباطاً بالهوية الرقمية والتوثيق الإلكتروني، فيما أتاحت الخدمات الصحية عبر «صحتي» حجز المواعيد والوصول إلى عدد من الخدمات الصحية إلكترونياً.
ويرى الثقفي أن تجربة «توكلنا» خلال جائحة كورونا شكلت بدورها محطة مهمة، إذ أثبتت قدرة البنية الرقمية على إدارة احتياجات المجتمع في ظرف استثنائي، قبل أن يتوسع التطبيق لاحقاً ليصبح منصة للخدمات والوثائق الرقمية.
ويشير إلى أن التحول امتد كذلك إلى منظومة الحج والعمرة، حيث أصبحت رحلة ضيف الرحمن أكثر ارتباطاً بالمنصات والتطبيقات الرقمية، بدءاً من الخدمات السابقة للوصول إلى المملكة، مروراً بالتصاريح والحجوزات، وصولاً إلى إدارة الحركة والحشود والاستفادة من البيانات والتقنيات الحديثة.
المواطن والمقيم وضيف الرحمن.. المستفيد الأول
محمد نجيب قطب
ويلفت إلى أن هذا التحول لم يقتصر على المواطن والمقيم، بل امتد إلى ملايين الحجاج والمعتمرين، ليصبح التحول الرقمي جزءاً من تجربة ضيف الرحمن.
ويستعرض قطب نماذج متعددة لهذا التحول، تبدأ من الجوازات والمنافذ التي توسعت فيها الخدمات الإلكترونية والبوابات الذكية، مروراً بالأحوال المدنية والهوية الرقمية، وخدمات المرور والمركبات، وصولاً إلى التجارة والاستثمار والخدمات البلدية والعدلية.
ويشير إلى أن المواطن يستطيع اليوم إنجاز خدمات مثل تجديد رخص القيادة واستمارات المركبات والاستعلام عن المخالفات وسداد الرسوم إلكترونياً، فيما أصبح تأسيس الأعمال وإصدار السجلات التجارية وتعديل البيانات يتم عبر منصات رقمية، بالتزامن مع توسع الخدمات البلدية الإلكترونية.
وفي القطاع العدلي، انتقلت خدمات التوثيق وإصدار الوكالات والعقود والاستعلام عن القضايا ومتابعة الإجراءات إلى المنصات الرقمية، بما خفف الحاجة إلى الحضور الشخصي في مراحل متعددة من المعاملة.
من تصريح ورقي إلى خدمة رقمية على مدار الساعة
محمد عمدة
ويقول إن المواطن انتقل من نموذج يقوم على الحضور الشخصي والانتظار وتعدد المستندات والمراجعات، إلى نموذج يستطيع فيه إنجاز معاملته ومتابعتها والحصول على نتيجتها إلكترونياً.
ويستشهد عمدة بخمس منصات يرى أنها تعكس جوانب مختلفة من هذا التحول، هي «أبشر»، و«ناجز»، و«اعتماد»، و«مدرستي»، و«توكلنا».
فـ«أبشر»، بحسب عمدة، خفّضت الحاجة إلى زيارة قطاعات حكومية متعددة، ووفرت على المستفيد وقت الانتقال والانتظار وتكاليف التنقل، فيما أسهمت «ناجز» في تقليل تكلفة الوصول إلى الخدمات العدلية، وأتاحت متابعة الطلبات والوثائق والإجراءات إلكترونياً.
أما «اعتماد»، فيرى أنها تمثل الجانب الأقل ظهوراً للمواطن في حياته اليومية، لكنها تؤدي دوراً اقتصادياً مهماً عبر رقمنة الميزانيات والمشتريات والعقود والمدفوعات الحكومية، بما يعزز الكفاءة والشفافية في إدارة المال العام.
«مدرستي».. التقنية في مواجهة الأزمة
ويشير عمدة إلى أن جائحة كورونا كانت اختباراً حقيقياً للبنية الرقمية، إذ انتقل التعليم بصورة واسعة إلى البيئة الإلكترونية، وأصبحت منصة «مدرستي» إحدى الأدوات الرئيسة لاستمرار العملية التعليمية.
ويرى أن الأثر هنا لم يكن مجرد اختصار وقت أو تقليل مراجعات، وإنما حماية استمرارية التعليم ورأس المال البشري في ظرف استثنائي، فضلاً عن تسريع تقبل المجتمع للتعليم الرقمي والتعليم المدمج.
أما «توكلنا»، فيرى عمدة أن تجربته بدأت كحل رقمي للتعامل مع ظروف الجائحة والتصاريح الإلكترونية، قبل أن تتطور إلى منصة أوسع للخدمات والوثائق الرقمية، وهو ما عزز مفهوم أن الخدمة الحكومية يمكن أن تكون جزءاً من الحياة الرقمية اليومية، وليست بالضرورة زيارة منفصلة إلى مؤسسة حكومية.
«جوال في اليد.. ومكتب خدمات في الجيب»
مؤيد الشميري
ويشير إلى أن استخراج أو تجديد الهوية الوطنية، الذي كان يتطلب في السابق مراجعة مكتب الأحوال وانتظار الدور والعودة لاستلام الوثيقة، أصبح جزءاً كبيراً منه يتم إلكترونياً، مع خيارات لتوصيل الوثائق.
وينطبق الأمر ذاته على رخص القيادة والمركبات، إذ أصبحت إجراءات التجديد والاستعلام والسداد تتم إلكترونياً، بينما انتقل التسجيل الدراسي والقبول في مراحل مختلفة من التعليم إلى المنصات الإلكترونية، بما مكّن الأسر من متابعة الطلبات عن بُعد.
وفي مجال التوثيق والعقود، انتقلت خدمات متعددة من الحضور إلى البيئة الرقمية، فيما أصبح القطاع الصحي أكثر ارتباطاً بالحجز الإلكتروني والمواعيد والوصفات والخدمات الرقمية.
ويختصر الشميري هذا التحول بالقول إن المواطن لم يعد يتعامل مع الحكومة باعتبارها «مكاناً يذهب إليه لإنجاز معاملة»، وإنما أصبحت الحكومة في كثير من الخدمات تصل إليه عبر هاتفه.



