محليات

مختصون لـ”اليوم”: الإدمان المصاحب يورط الأسر.. والعلاج القسري يخفف التبعات الجنائية

أكدت جلسات علمية متخصصة في المنطقة الشرقية أن الأسرة تمثل المحور الأهم في رحلة تعافي مدمني المخدرات، محذرة من أن التستر والتدليل الزائد أو اللوم الشديد عوامل تسهم في إطالة أمد التعاطي وتعقيد مسار العلاج دون قصد.
جاء ذلك خلال اللقاءات التوعوية والمؤتمر العلمي لجمعيتي «تعافي» و«علاج الإدمان» في عامه الثالث على التوالي، بمشاركة نخبة من المختصين في الطب النفسي والإرشاد الأسري والإكلينيكي، لمناقشة دور الأسرة في مراحل الوقاية والاكتشاف المبكر والعلاج.

تأثير البيئة الأسرية

وأوضح استشاري العلاقات الزوجية والإرشاد الاجتماعي الإكلينيكي، الدكتور منصور الدهيمان، أن الإدمان ليس مجرد سلوك اختياري، بل نتاج تفاعلات نفسية واجتماعية معقدة، تتداخل فيها البيئة الأسرية بشكل مباشر وحاسم في إنجاح التعافي أو إعاقته.
وبيّن أن كثيرًا من الأسر تخلق بيئة غير متوازنة عبر ممارسة أدوار متباينة، وتواجه إشكالات تتمثل في غياب التثقيف وسوء فهم مفهوم «الدعم»، حيث تخلط بين الدعم الحقيقي المعزز للمسؤولية، وبين «التمكين» المتمثل في التغطية على الأخطاء وتقديم الدعم المادي بلا ضوابط.
وشدد على ضرورة وجود اتفاق واضح بين الوالدين، ووضع حدود ثابتة لا يتم التراجع عنها، مؤكدًا أن التناقض في التعاملات الأسرية يعزز الانتكاسة، التي اعتبرها جزءًا محتملًا من رحلة التعافي وليست فشلًا، شريطة استمرار الدعم غير المشروط مع تحميل الفرد مسؤولية سلوكياته.

117

الدكتور منصور الدهيمان

وكشف استشاري الإرشاد الإكلينيكي أن الإحصاءات العالمية تشير إلى تعافي 6 مدمنين من بين كل 10 أشخاص، مع احتمالية انتكاسة 4 من أصل 6 متعافين، لافتًا إلى أن المتعافين القدامى هم الأكثر تأثيرًا في دعم الحالات الحالية نظرًا لحديثهم بعقل الخبير واستعراضهم للاضطرابات بواقعية.

عنصر حماية

من جهتها، أكدت المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، الدكتورة شريفة نعمان العمادي، أن تماسك الأسرة الممتدة في المجتمعات الخليجية يشكل عنصر حماية يسهم في الحد من انتشار الإدمان، مقارنة بالمجتمعات الفردية التي تسجل ارتفاعًا في معدلات الاضطرابات النفسية والسلوكيات الخطرة.

خلال اللقاءات التوعوية والمؤتمر العلمي لجمعيتي «تعافي» و«علاج الإدمان»

وحذرت الدكتورة العمادي، التي تعمل معالجة أسرية في أحد مراكز علاج الإدمان، من أن الأسرة قد تسهم دون وعي في دخول الفرد لدائرة التعاطي بناءً على دراسة التاريخ المرضي للحالات، مشيرة إلى أن الأسر غالبًا ما تعزو الإدمان لعوامل خارجية كرفقاء السوء والسفر، متجاهلة الخلل في بناء شخصية الأبناء.
وأوضحت أن الالتزام الشكلي بالروتين اليومي لا يكفي لحماية الأبناء، داعية إلى تعزيز قدرتهم على قول «لا»، ومواجهة الضغوط، ومشددة على أهمية التفريق بين «الرعاية» المقتصرة على توفير الاحتياجات المادية، وبين «التربية» التي تعني بناء الفكر والشخصية لفهم طبيعة الأطفال باختلاف العصور.
وحددت الدكتورة العمادي مجموعة من المؤشرات المبكرة التي تنذر بإقبال الشاب على الإدمان، وتتطلب حوارًا وتدخلًا أسريًا، ومنها: الانعزال المفاجئ، واضطرابات النوم والأكل، وتغير الأصدقاء، وتراجع التركيز، والانطوائية، فضلًا عن وجود حروق على الملابس.

خلال اللقاءات التوعوية والمؤتمر العلمي لجمعيتي «تعافي» و«علاج الإدمان»

التدخل المبكر ي

في السياق ذاته، طالب رئيس الاتحاد العربي للطب النفسي، الأستاذ الدكتور مهدي أبو مديني، بضرورة خروج الجلسات العلمية من قاعات المؤتمرات لتصل إلى مجالس الآباء والأمهات، والمرشدين في المدارس والجامعات وسكن الطلبة، لضمان تحقيق الأثر الفعلي.
وأشار الأستاذ في «طب الإمام عبدالرحمن بن فيصل»، إلى أن الجلسة الأولى التي ترأسها تناولت ورقة علمية للدكتور محمد الزهراني حول أهمية الاحتواء الأسري كدور وقائي، واللجوء للعلاج المتخصص بدلًا من التستر، إلى جانب دور الفرق العلاجية المتكاملة من أطباء نفسيين وأخصائيين في علم النفس السريري والاجتماعي.

117

الدكتور مهدي أبو مديني

وتطرق الدكتور أبو مديني إلى الجانب الجنائي، مبينًا أن التدخل المبكر يمنع انخراط المدمن في سلوكيات إجرامية للحصول على المخدرات ويقلل التبعات القانونية، كما استعرض نماذج علاجية مبنية على الأدلة العلمية للفرد والزوجين والأسرة والمجتمع، ومكيفة لتتناسب مع طبيعة البيئة السعودية.

تحذير من السلوكيات تصادمية

إلى ذلك، وصف استشاري الطب النفسي، الدكتور محمد المقهوي، الإدمان بأنه اضطراب ينعكس على منظومة الأسرة بأكملها وليس مشكلة فردية، محذرًا من تبني الأسر لسلوكيات تصادمية قائمة على اللوم والعقاب، أو اللجوء إلى الحماية المفرطة وما يُعرف بـ«الإدمان المصاحب».
وكشف الدكتور المقهوي أن ممارسات «الإدمان المصاحب» تشمل قيام الأسرة بتغطية غياب الأبناء عن الدراسة أو العمل، والتستر على المشكلات القانونية، وتوفير الأموال وتبرير السلوكيات الإشكالية، مؤكدًا أن هذه الممارسات تعزز دائرة الإدمان بدل كسرها.

117

محمد المقهوي

وأكد أن الحل يكمن في تحقيق توازن واعٍ بين الاحتواء ووضع الحدود، والتعامل مع المدمن كمريض وليس كشخص سيئ، مبينًا أن المبادرة بالتدخل المبكر تسهم في رفع نسب الاستجابة للعلاج وتخفيف التبعات القانونية، حيث يُعد العلاج عنصرًا داعمًا في القضايا المرتبطة بالتعاطي.
ولفت استشاري الطب النفسي إلى أن بعض الحالات تستدعي تدخلًا متخصصًا، بما في ذلك «العلاج القسري» الذي توفره الجهات المختصة، مشددًا على أن هذا التدخل يتم ضمن منظومة آمنة وسرية، ولا يترتب عليه أي آثار سلبية على المستقبل الوظيفي أو الدراسي للمريض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى