مستقبل القضية الجنوبية في اليمن وتعددية التمثيل السياسي

يشهد المشهد السياسي في اليمن، وتحديداً في المحافظات الجنوبية، تحولات جذرية تشير إلى مرحلة جديدة في مسار "القضية الجنوبية". فبعد سنوات من تصدر المجلس الانتقالي الجنوبي للمشهد باعتباره الممثل الأبرز، بدأت تظهر مؤشرات قوية على أن القضية الجنوبية باتت أكبر من أن يختزلها مكون سياسي واحد، مما يفتح الباب أمام تعددية سياسية تعيد تشكيل التحالفات في المنطقة.
الجذور التاريخية للقضية الجنوبية
لفهم طبيعة هذه التحولات، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية. بدأت القضية الجنوبية بالتبلور فعلياً بعد حرب صيف 1994، التي تلت الوحدة اليمنية عام 1990، حيث شعر الجنوبيون بالتهميش والإقصاء من الشراكة السياسية والاقتصادية. وفي عام 2007، انطلق "الحراك الجنوبي" كحركة سلمية تطالب بتصحيح المسار، وتطور لاحقاً للمطالبة بفك الارتباط. ظل الحراك لسنوات طوال عبارة عن مكونات متعددة دون قيادة موحدة، حتى تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في عام 2017 بدعم إقليمي، والذي نجح في فرض سيطرته العسكرية والأمنية على عدن ومحافظات مجاورة.
تغير الخارطة السياسية والتمثيل الجنوبي
رغم النفوذ الذي حققه المجلس الانتقالي، إلا أن التطورات الأخيرة، خاصة بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، أظهرت تعقيدات الجغرافيا السياسية في الجنوب. برزت أصوات ومكونات قوية في محافظات استراتيجية مثل حضرموت والمهرة وشبوة، ترفض التبعية المركزية سواء لصنعاء أو لعدن. إن تشكيل مجالس وطنية محلية، مثل مجلس حضرموت الوطني، يعكس رغبة المجتمعات المحلية في تمثيل نفسها بنفسها ضمن إطار القضية الجنوبية العادلة، ولكن بعيداً عن احتكار "الانتقالي" للقرار السياسي.
الأبعاد الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل هذه التحولات عن السياق الإقليمي والدولي. فالمجتمع الدولي والإقليمي يسعى لتوحيد الجبهة المناهضة للحوثيين وضمان استقرار المناطق المحررة. ويدرك الفاعلون الدوليون أن استقرار اليمن يتطلب حلاً شاملاً للقضية الجنوبية يضمن مشاركة كافة المكونات وليس طرفاً واحداً فقط. هذا التوجه يعزز من فرضية أن الصفحة التي تُطوى ليست صفحة القضية الجنوبية، بل صفحة "الاحتكار"، لصالح صفحة جديدة عنوانها الشراكة والتعددية التي تضمن حقوق كافة أبناء المحافظات الجنوبية في تقرير مستقبلهم السياسي والاقتصادي.



