اقتصاد

النقد الدولي: الذكاء الاصطناعي يهدد الأجور والوظائف عالمياً

كشفت دراسة بحثية حديثة أجراها صندوق النقد الدولي أن الصعود المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في إحداث تغييرات جذرية على هياكل الأجور وفرص العمل، لا سيما في المهن القابلة للأتمتة، مما يستدعي تدخلاً حكومياً عاجلاً.

وحث الصندوق الحكومات حول العالم على تقديم شبكات أمان اجتماعي أقوى ودعم ملموس للعمال الذين يواجهون خطر فقدان وظائفهم بسبب هذه الطفرة التقنية. وفي هذا السياق، صرحت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، قائلة: «إن على صانعي السياسات إعادة النظر بشكل جذري في تصميم المناهج التعليمية، لضمان تمكين الشباب الداخلين إلى سوق العمل من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة بدلاً من الدخول في منافسة خاسرة معه».

سياق عالمي وتحديات غير مسبوقة

جاءت تصريحات غورغييفا في مدونة نُشرت استباقاً للاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، حيث يجتمع قادة العالم والمديرون التنفيذيون لمناقشة التحديات الاقتصادية الكبرى. وأضافت غورغييفا: «إن المخاطر تتجاوز الجوانب الاقتصادية البحتة؛ فالعمل يضفي كرامة ومعنى على حياة الناس، وهذا ما يجعل التحول الناتج عن الذكاء الاصطناعي بالغ الأهمية والحساسية الاجتماعية».

ومن الناحية التاريخية، شهد العالم ثورات صناعية سابقة أدت إلى أتمتة العمل اليدوي، إلا أن ثورة الذكاء الاصطناعي تختلف بكونها تستهدف المهام المعرفية والوظائف المكتبية ذات المهارات العالية، مما يضع شريحة أوسع من القوى العاملة تحت طائلة التغيير.

تحليل شامل يتجاوز السوق الأمريكية

واستندت نتائج الصندوق إلى تحليل دقيق لملايين إعلانات الوظائف وملفات تعريف العمال في 6 اقتصادات متنوعة هي: الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والدنمارك، والبرازيل، وجنوب إفريقيا. ويعد هذا التوسع في العينة بالغ الأهمية، حيث ركزت معظم الأبحاث السابقة حصرياً على الولايات المتحدة، مما يوفر الآن رؤية أكثر شمولية لتأثير التقنية في بيئات اقتصادية متباينة.

الأثر الاقتصادي: بين زيادة الأجور وفقدان الوظائف

وخلص التحليل إلى أن واحداً من كل 10 إعلانات وظائف حالياً يتطلب مهارة جديدة واحدة على الأقل لم تكن موجودة قبل عقد من الزمن، مثل المهارات المرتبطة بتقنية المعلومات المتقدمة أو إدارة خوارزميات التسويق الرقمي.

وأشار التقرير إلى مفارقة اقتصادية؛ حيث أدى ازدياد الطلب على المهارات التقنية الواسعة إلى أثر إيجابي على الأجور، إذ حظيت الوظائف التي تتطلب مهارات جديدة بعلاوة أجور تراوحت بين 3 و3.4% في الاقتصادات المتقدمة كالولايات المتحدة وبريطانيا.

ومع ذلك، حذر الصندوق من الجانب المظلم لهذا التحول؛ فعند فحص الوظائف التي تركز حصرياً على مهارات الذكاء الاصطناعي، وجد أن الطلب المرتفع لم يترجم إلى زيادة في التوظيف الإجمالي، بل أدى في كثير من الأحيان إلى «استبدال تقني»، مما تسبب في فقدان وظائف في القطاعات التي يمكن للتقنيات الجديدة القيام بمهامها بالكامل.

التداعيات المستقبلية

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا التحول قد يؤدي إلى توسيع الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة القادرة على استيعاب هذه التقنيات، والاقتصادات النامية التي قد تتخلف عن الركب، بالإضافة إلى تعميق عدم المساواة في الدخل داخل الدولة الواحدة بين من يملكون مهارات التعامل مع الذكاء الاصطناعي ومن يفتقدونها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى