محليات

الاعتداء على الأرصفة بجدة: غرامات وعقوبات رادعة

رصدت جولات ميدانية حديثة في مدينة جدة تنامي ظاهرة مقلقة تتمثل في الاعتداء على المرافق العامة، حيث يعمد بعض أصحاب العقارات السكنية والمراكز التجارية إلى استقطاع أجزاء من الشوارع والأرصفة وتحويلها إلى مواقف خاصة دون تراخيص نظامية. هذا السلوك لا يشكل فقط مخالفة قانونية، بل يمثل تحدياً كبيراً لجهود تحسين المشهد الحضري التي تسعى المملكة لتحقيقها.

سياق التحول الحضري وأنسنة المدن

تأتي هذه التحذيرات في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية حراكاً تنموياً واسعاً ضمن رؤية 2030، التي تضع "جودة الحياة" و"أنسنة المدن" على رأس أولوياتها. تاريخياً، عانت بعض المدن الكبرى من التخطيط الذي يمنح الأولوية للمركبة على حساب الإنسان، إلا أن الاستراتيجيات الحديثة تهدف إلى استعادة الفضاء العام للمشاة وتعزيز الصحة العامة. وبالتالي، فإن ظاهرة التعدي على الأرصفة تعرقل هذه الجهود الوطنية وتعود بالتخطيط الحضري إلى المربع الأول، حيث يتم تهميش حق المشاة وذوي الإعاقة في رصيف آمن ومستمر.

أشكال الاعتداء وتأثيرها المباشر

وتتمثل أبرز صور هذه التعديات في طمس الأرصفة بالكامل أو خفض منسوبها لتسهيل دخول السيارات، واستقطاع مساحات من الطريق العام لتسويتها بالإسفلت وضمها للمواقف الخاصة. كما تشمل المخالفات البناء على كامل مساحة الأرض دون مراعاة الارتدادات النظامية، مما يلغي الفصل الضروري بين الملكية الخاصة والفضاء العام. هذه الممارسات تؤدي إلى اختناقات مرورية، خاصة في الشوارع الحيوية والمؤدية للمخارج الرئيسية، فضلاً عن تعريض حياة المارة للخطر.

تهديد لجودة الحياة والاقتصاد الحضري

وفي هذا السياق، أوضح أستاذ الجيوماتكس بجامعة الملك عبدالعزيز، الدكتور ريان سحاحيري، أن هذه الظاهرة تمس جوهر جودة الحياة في جدة. وأكد أن الشارع والرصيف ليسا مجرد مساحات عبور، بل هما عصب التجربة اليومية للسكان. وأضاف سحاحيري أن المدن التي تنجح في جذب السياحة والاستثمار هي تلك التي تحترم الفضاء العام وتجعله صديقاً للمشاة، مشيراً إلى أن التعديات الحالية تقوض مفهوم "المدينة القابلة للمشي" وتتعارض بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

ريان سحاحيري

ريان سحاحيري

الموقف القانوني: غرامات تصل لـ 50 ألف ريال

من الناحية القانونية، شدد المستشار القانوني أنور القرشي على أن هذه الممارسات تُعد "مخالفة بلدية جسيمة" وتعدياً صريحاً على الأموال العامة. وأوضح أن الأنظمة واللوائح في المملكة حازمة في هذا الشأن، حيث تصل الغرامات المالية إلى 50 ألف ريال لكل من يتعدى على المرافق العامة أو يستفيد من خدماتها بطريقة غير مشروعة.

وأشار القرشي إلى أن العقوبات لا تقتصر على الغرامة، بل تشمل الإزالة الإلزامية للتعدي على نفقة المخالف وإعادة الوضع إلى ما كان عليه. وأكد أن النظام يحظر أي حفر أو قطع في الطرق أو تغيير في معالمها دون ترخيص رسمي، وذلك حمايةً للممتلكات العامة وضماناً لسلامة مستخدمي الطريق.

انور القرشي

انور القرشي

ضرورة حضرية وليست ترفاً تجميلياً

من جانبه، أكد المهندس عبد الناصر العبداللطيف، المستشار المتخصص في التطوير العقاري، أن حماية الأرصفة ليست خياراً تجميلياً بل ضرورة ملحة للأمن والسلامة. وأوضح أن تداخل مواقف السيارات الخاصة مع مسارات الطريق العام يخلق فوضى بصرية ومرورية، ويضعف الثقة في المنظومة التخطيطية للمدينة. ودعا العبداللطيف إلى تكثيف الرقابة الاستباقية قبل وأثناء مراحل البناء لمنع وقوع هذه المخالفات، مؤكداً أن احترام الحق العام هو الأساس لبناء مجتمع حضري منظم ومستدام.

عبد الناصر العبداللطيف

عبد الناصر العبداللطيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى