بريطانيا توافق على بناء سفارة الصين الجديدة في لندن رغم المخاوف

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والحقوقية، منحت الحكومة البريطانية، يوم الثلاثاء، الضوء الأخضر رسمياً لمشروع الصين الطموح لبناء سفارة جديدة ضخمة في الموقع التاريخي لدار صك العملة الملكية (Royal Mint Court) بقلب العاصمة لندن. يأتي هذا القرار بعد ثماني سنوات من الشد والجذب، ورغم المعارضة الشديدة التي أبداها سكان المنطقة ومجموعات حقوقية، فضلاً عن تحذيرات أمنية من إمكانية استخدام المبنى لأغراض التجسس.
تفاصيل القرار والموقع التاريخي
أكدت رسالة القرار الرسمية أن وزير الإسكان والمجتمعات المحلية، ستيف ريد، قد أصدر موافقته النهائية على ترخيص التخطيط للمبنى المُدرج ضمن قائمة التراث الوطني. ويقع هذا الموقع الاستراتيجي بالقرب من جسر البرج الشهير (Tower Bridge) وبرج لندن، مما يجعله أحد أكثر المواقع حساسية وأهمية في العاصمة. وجاء في البيان الرسمي للوزير أن "القرار صار نهائياً ما لم يُطعن به بنجاح أمام القضاء"، مما يغلق الباب أمام الاعتراضات المحلية التي عطلت المشروع لسنوات.
خلفية الصراع: بين الرفض المحلي والموافقة المركزية
لفهم سياق هذا الحدث، يجب العودة إلى الوراء قليلاً، حيث اشترت الصين هذا الموقع التاريخي في عام 2018. وفي أواخر عام 2022، رفض مجلس بلدية "تاور هامليتس" المحلي خطط البناء بالإجماع، مستنداً إلى مخاوف السكان بشأن السلامة الأمنية، وازدحام المنطقة، وتأثير ذلك على الطابع التراثي للمكان، بالإضافة إلى مخاوف من أن يصبح الموقع بؤرة للمظاهرات السياسية. إلا أن الحكومة المركزية تدخلت لسحب ملف التخطيط واتخاذ القرار بنفسها، وهو ما توج بالموافقة الحالية.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
تأتي هذه الموافقة في توقيت سياسي دقيق للغاية، حيث تتزامن مع استعداد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لإجراء زيارة مرتقبة إلى بكين في نهاية يناير الجاري. ويسعى ستارمر، منذ توليه السلطة في يوليو 2024، إلى إعادة ضبط العلاقات مع الصين وفق نهج براغماتي يوازن بين المصالح الاقتصادية التجارية وبين المخاوف الأمنية. ويُقرأ هذا القرار على أنه بادرة حسن نية من لندن تجاه بكين لتهيئة الأجواء للزيارة، رغم إقرار الحكومة المستمر بأن الصين تشكل "تحدياً للنظام الدولي" وتهديداً محتملاً للأمن السيبراني البريطاني.
مخاوف التجسس والموقع الاستراتيجي
أثار المشروع انقسامات حادة، حيث يخشى منتقدون، بمن فيهم نواب في البرلمان البريطاني، من أن الموقع الجديد القريب جداً من حي المال والأعمال (The City) ومراكز صنع القرار، قد يُستغل كقاعدة متقدمة لعمليات التجسس والمراقبة الإلكترونية. وتحاول بكين منذ سنوات نقل سفارتها الحالية من حي "مارليبون" الضيق إلى هذا المجمع الضخم الذي سيوفر لها أكبر مقر دبلوماسي في المملكة المتحدة، وربما في أوروبا، مما يعكس طموح الصين المتزايد لترسيخ نفوذها في الغرب.



