فلكية جدة توضح ظاهرة الأناليما ومسار الشمس السنوي

كشفت الجمعية الفلكية بجدة، على لسان رئيسها المهندس ماجد أبوزاهرة، عن تفاصيل واحدة من أكثر الظواهر الفلكية إثارة للدهشة والجمال البصري، وهي ظاهرة «الأناليما». وتتجلى هذه الظاهرة في رصد مسار الشمس في قبة السماء على مدار عام كامل، حيث تظهر الشمس وكأنها ترسم شكلاً هندسياً يشبه الرقم «8» باللغة الإنجليزية، وذلك عند توثيق موقعها في نفس التوقيت بشكل يومي أو أسبوعي.
التفسير العلمي: رقصة الأرض والشمس
أوضح المهندس أبوزاهرة أن هذا الشكل الفريد ليس نتاج حركة عشوائية، بل هو انعكاس دقيق لعاملين فلكيين رئيسيين يحكمان علاقة الأرض بالشمس. العامل الأول هو ميل محور دوران الأرض بزاوية تبلغ نحو 23.5 درجة، وهو المسؤول عن تعاقب الفصول. أما العامل الثاني فهو دوران الأرض حول الشمس في مدار إهليلجي (بيضاوي) وليس دائرياً تماماً، مما يجعل سرعة الأرض تتغير أثناء دورانها؛ فتسرع عندما تكون أقرب للشمس وتتباطأ عندما تبتعد عنها. هذا التباين يؤدي إلى اختلاف الموقع الظاهري للشمس في السماء من يوم لآخر بالنسبة لراصد ثابت على سطح الأرض.
السياق التاريخي والأهمية العلمية
تكتسب ظاهرة الأناليما أهمية تتجاوز مجرد كونها مشهداً جمالياً؛ فهي تمثل تجسيداً بصرياً لما يُعرف في علم الفلك بـ «معادلة الزمن»، وهو الفرق بين الوقت الذي تشير إليه الساعة الشمسية والوقت الذي تشير إليه الساعات الميكانيكية المنتظمة. تاريخياً، كان فهم حركة الشمس الظاهرية أساساً لتطوير التقويمات وضبط الوقت في الحضارات القديمة. واليوم، تُعد الأناليما دليلاً ملموساً ومرئياً يثبت كروية الأرض ودورانها حول الشمس، موفرة مادة تعليمية غنية للطلاب والمهتمين بعلوم الفلك لفهم ميكانيكا السماء بعيداً عن النظريات المجردة.
كيفية رصد وتوثيق الظاهرة
وحول آلية رصد هذه الظاهرة، أشار رئيس فلكية جدة إلى أن التوثيق يتطلب صبراً ودقة، حيث يمكن استخدام كاميرا رقمية مثبتة بإحكام على حامل ثلاثي الأرجل لضمان ثبات الزاوية طوال العام. وشدد على ضرورة استخدام فلتر شمسي لحماية مستشعر الكاميرا وعين الراصد، مع الالتزام بالتصوير في توقيت ثابت، كالساعة العاشرة صباحاً مثلاً. وتتطلب العملية ضبط سرعة الغالق بين 1/1000 و1/8000 ثانية وفتحة عدسة ضيقة (f/7.1 – f/11) للحصول على صورة واضحة لقرص الشمس.
عند دمج الصور الملتقطة، يظهر الانقلاب الصيفي (أطول نهار) في الجزء العلوي من الرقم «8»، بينما يمثل الجزء السفلي الانقلاب الشتوي (أقصر نهار). وأضاف أبوزاهرة أن البدء في الرصد من 21 يناير 2026 سيتيح للمصورين استكمال دورة كاملة بحلول يناير 2027.
اختلاف الشكل باختلاف الموقع الجغرافي
من الجدير بالذكر أن شكل الأناليما يختلف باختلاف الموقع الجغرافي للراصد على سطح الأرض. ففي المملكة العربية السعودية، يظهر الشكل بامتطاط عمودي واضح ومرتفعاً عن الأفق. بينما في دول شمالية أكثر مثل مصر ولبنان، يميل الشكل ليكون أكثر اتساعاً أفقياً وأقرب للأفق، خاصة في الشتاء. أما في المناطق القريبة من خط الاستواء أو الجنوب مثل اليمن، فيظهر الشكل بخصائص مختلفة، مما يؤكد أن ما نراه هو نتيجة لموقعنا النسبي من هذا الكون الفسيح.



