توترات ورشفانة: صراع الثأر والميليشيات يهدد استقرار غرب ليبيا

لا تزال منطقة ورشفانة، الواقعة في الضواحي الجنوبية الغربية للعاصمة الليبية طرابلس، تعيش حالة من التوتر الأمني المستمر، حيث يلقي «الثأر» بظلاله القاتمة على المشهد العام، مغذياً صراعات لا تنتهي بين الميليشيات المسلحة وتشكيلات العصابات المحلية. هذا الوضع المتأزم ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات أمنية واجتماعية جعلت من المنطقة بؤرة ساخنة تهدد استقرار الغرب الليبي بأكمله.
السياق العام والأهمية الاستراتيجية لورشفانة
تكتسب منطقة ورشفانة أهمية استراتيجية وجغرافية بالغة، فهي تُعتبر البوابة الغربية للعاصمة طرابلس وحلقة الوصل الحيوية بين العاصمة والحدود التونسية، فضلاً عن كونها ممراً رئيسياً نحو مدن الجبل الغربي. ونظراً لهذا الموقع الحساس، فإن أي خلل أمني فيها ينعكس بشكل مباشر وفوري على العاصمة ومحيطها. تاريخياً، ومنذ سقوط النظام السابق في عام 2011، عانت المنطقة من فراغ أمني كبير، مما سمح بانتشار السلاح خارج نطاق الدولة وظهور مجموعات مسلحة تعمل وفق أجندات مناطقية أو قبلية، بعيداً عن سلطة وزارتي الداخلية والدفاع.
دائرة الثأر المفرغة وغياب القانون
ما يميز التوتر الحالي هو طغيان طابع «الثأر» الشخصي والقبلي على الاشتباكات، حيث تتحول الخلافات الفردية أو الجنائية بسرعة إلى مواجهات مسلحة واسعة النطاق بين الميليشيات. غياب الرادع القانوني وضعف المؤسسات القضائية والشرطية في المنطقة شجع هذه المجموعات على تطبيق «قانون القوة» بدلاً من قوة القانون، مما أدخل السكان في دوامة من العنف والعنف المضاد. وتتغذى هذه الصراعات على التحالفات المتغيرة بين المجموعات المسلحة في المدن المجاورة، مما يعقد المشهد ويجعل من الصعب التوصل إلى تهدئة دائمة.
التأثيرات المحلية والإقليمية
إن استمرار حالة التوتر في ورشفانة له تداعيات خطيرة تتجاوز الحدود الإدارية للمنطقة. محلياً، يعاني المواطنون من انعدام الأمن، وتكرار حوادث الخطف، وقطع الطرق الرئيسية، مما يعطل الحياة اليومية والحركة التجارية. إقليمياً، يُنظر إلى استقرار ورشفانة كمعيار لنجاح أي عملية سياسية أو أمنية في ليبيا؛ فاستمرار الفوضى فيها يعيق جهود توحيد المؤسسة العسكرية ويعرقل المسار نحو الانتخابات، حيث تظل الميليشيات عقبة كأداء أمام بسط سيادة الدولة. ويحذر مراقبون من أن ترك هذا الملف دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى انفجار أمني واسع النطاق يعيد خلط الأوراق في المنطقة الغربية برمتها.



