محادثات دمشق والقوات الكردية: جولة جديدة ومستقبل المنطقة

في تطور لافت للمشهد السياسي السوري، أبدت الحكومة السورية تطلعها وانفتاحها على عقد جولة جديدة من المحادثات مع القوات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية – قسد) وممثليهم السياسيين، بهدف التوصل إلى صيغة تفاهم مشتركة تنهي حالة الانقسام في شمال شرق البلاد. وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس تمر به المنطقة، مما يضفي أهمية استراتيجية بالغة على أي تقارب محتمل بين دمشق والإدارة الذاتية.
السياق التاريخي وجذور الخلاف
تعود جذور العلاقة المعقدة بين الحكومة المركزية في دمشق والقوى الكردية إلى بدايات الأزمة السورية عام 2011، حيث انسحبت القوات الحكومية تدريجياً من المناطق الشمالية الشرقية، مما أفسح المجال للأكراد لتشكيل وحدات حماية الشعب، ولاحقاً “قوات سوريا الديمقراطية” بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وعلى مدار السنوات الماضية، أسس الأكراد ما يُعرف بـ “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، وهو هيكل إداري شبه مستقل ترفض دمشق الاعتراف بشرعيته الدستورية، متمسكة بمبدأ وحدة الأراضي السورية والمركزية الإدارية، بينما يطالب الأكراد باعتراف رسمي بخصوصيتهم ضمن سوريا لا مركزية.
نقاط الخلاف والملفات العالقة
تتمحور المحادثات المرتقبة حول عدة ملفات شائكة لم يتم حسمها في الجولات السابقة. أبرز هذه الملفات هو مصير الجناح العسكري للقوات الكردية وكيفية دمجه في الجيش السوري، بالإضافة إلى مسألة رفع العلم السوري على كامل المؤسسات، وتوزيع الثروات الطبيعية. حيث يسيطر الأكراد حالياً على أهم حقول النفط والغاز، بالإضافة إلى سلة الغذاء السورية (محاصيل القمح) في الجزيرة، وهي موارد حيوية يحتاجها الاقتصاد السوري بشدة للتعافي من آثار العقوبات والحرب.
الأبعاد الإقليمية والدولية
لا يمكن فصل هذه الدعوة للحوار عن المشهد الإقليمي المتوتر، وتحديداً التهديدات التركية المستمرة بشن عمليات عسكرية برية في الشمال السوري. ترى كل من دمشق والقوات الكردية في أنقرة خصماً مشتركاً يهدد السيادة السورية، مما يدفع الطرفين -رغم الخلافات- للبحث عن صيغة تعاون عسكري وسياسي لصد أي توغل محتمل. كما أن الضبابية التي تحيط بمستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة تدفع القوات الكردية للبحث عن ظهير سياسي، وتعتبر دمشق الخيار الأكثر واقعية لضمان عدم تعرضهم لعمليات عسكرية من أطراف أخرى. إن نجاح هذه المحادثات قد يعيد رسم الخارطة السياسية لسوريا، ويعزز من سيطرة الدولة، ويقلص نفوذ التدخلات الخارجية.



