منتدى مكة: خطة شاملة لتعزيز قياس الأثر في الجمعيات الأهلية

في خطوة استراتيجية تهدف إلى تصحيح مسار العمل الخيري والتنموي في المملكة العربية السعودية، كشف المنتدى الثاني لجمعيات محافظات وقرى منطقة مكة المكرمة عن إحصائية صادمة تستدعي الوقوف عندها؛ إذ تبين أن مخصصات "قياس الأثر" في غالبية الجمعيات الأهلية لا تتجاوز 5% من إجمالي ميزانياتها. هذا الرقم لا يعكس مجرد عجز مالي، بل يشير إلى تحدٍ جوهري يواجه القطاع غير الربحي في رحلته نحو تحقيق الكفاءة والاستدامة، خاصة في ظل التوسع الكبير الذي يشهده القطاع.
انطلاق المنتدى برعاية رسمية ومشاركة واسعة
شهدت محافظة جدة انطلاق أعمال المنتدى تحت شعار "من الأثر إلى الاستدامة"، برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز، نائب أمير منطقة مكة المكرمة. وقد استقطب الحدث أكثر من 300 جهة وجمعية أهلية، بالإضافة إلى نخبة من صناع القرار والمانحين وقيادات القطاع غير الربحي، مما يعكس الاهتمام المتزايد بتطوير البنية التحتية للعمل الاجتماعي في المنطقة.
سياق التحول: من الرعوية إلى التنموية
يأتي هذا المنتدى في وقت حيوي يشهد فيه القطاع غير الربحي في المملكة تحولاً تاريخياً ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. فبعد عقود من التركيز على العمل الخيري التقليدي القائم على المساعدات المباشرة (الرعوية)، تتجه البوصلة الآن نحو العمل التنموي المستدام الذي يصنع فارقاً طويل الأمد في حياة المستفيدين. وتعد أدوات "قياس الأثر" هي البوصلة الحقيقية لهذا التحول، حيث تهدف الرؤية لرفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون وجود بيانات دقيقة تثبت جدوى البرامج المنفذة.
أدوات حديثة لردم الفجوة
يهدف المنتدى بشكل رئيسي إلى إحداث نقلة نوعية من خلال تمكين الجمعيات القروية من استخدام أدوات القياس العالمية الحديثة. وقد ركزت الجلسات على أهمية تبني مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) ومنهجية العائد الاجتماعي على الاستثمار (SROI). وأوضح الأستاذ خالد بن أحمد العصيمي، الرئيس التنفيذي لجمعية "تنمية"، أن المنتدى صُمم ليقدم محتوى تطبيقياً يساعد الجمعيات على تحسين جودة قراراتها وتعزيز موثوقية تقاريرها أمام الجهات المانحة.
تحديات البيانات والشفافية
ناقش المشاركون بشفافية التحديات التي تعرقل قياس الأثر، وأبرزها:
- فجوات البيانات: ضعف أنظمة جمع وتحليل البيانات وتدني الاستفادة من الذكاء الاصطناعي.
- غياب المعايير الموحدة: افتقار الجمعيات لإطار وطني مرجعي يجعل من الصعب مقارنة النتائج وتوحيد الجهود.
- ضعف الشراكات البحثية: تراجع التعاون مع الجامعات ومراكز الدراسات لإنتاج أبحاث تطبيقية تخدم القطاع.
مستقبل العمل غير الربحي: توصيات وشراكات
لم يكتفِ المنتدى بتشخيص المشكلة، بل طرح حلولاً عملية تضمنت توقيع اتفاقيات استراتيجية بين الجمعيات والقطاع الخاص. كما يجري العمل على إعداد وثيقة توصيات لتقديمها للجهات الرسمية لاعتماد "إطار وطني موحد لقياس الأثر"، وإطلاق منصة رقمية لتبادل المعرفة. واستعرض المنتدى أكثر من 10 قصص نجاح لجمعيات قروية استطاعت تحقيق أثر ملموس، لتكون نموذجاً يُحتذى به في الانتقال من الأثر المرحلي المؤقت إلى الاستدامة طويلة المدى.



