اقتصاد

مصير العملة السورية الرقمية وتحديات الاقتصاد

أثار إعلان مصرف سورية المركزي في الآونة الأخيرة عن نيته طرح عملة رقمية وطنية (CBDC) جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والشعبية، حيث يأتي هذا التوجه في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوري من تضخم غير مسبوق وتدهور حاد في قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن: ما هو مصير هذه العملة الرقمية الجديدة، وهل تمتلك مقومات النجاح في ظل الظروف الراهنة؟

السياق العام ودوافع التحول الرقمي

لم تأتِ فكرة العملة الرقمية السورية من فراغ، بل هي جزء من استراتيجية يحاول المصرف المركزي تنفيذها للتحول نحو الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على الكاش (العملة الورقية). فمع الانهيار الكبير في القوة الشرائية لليرة، بات المواطنون يضطرون لحمل كميات ضخمة من الأوراق النقدية لإتمام معاملات تجارية بسيطة، مما زاد من تكاليف طباعة العملة وصعوبة تداولها ونقلها. وتهدف العملة الرقمية المقترحة إلى حل هذه المعضلة اللوجستية، بالإضافة إلى محاولة ضبط الكتلة النقدية ومراقبة حركة الأموال بشكل أكثر دقة.

ما هي العملة السورية الرقمية؟

من الضروري التمييز بين العملة الرقمية التي يعتزم المصرف المركزي إصدارها وبين العملات المشفرة مثل "بيتكوين". فالعملة السورية الرقمية ستكون نسخة إلكترونية من الليرة السورية الورقية، تصدر وتدار مركزياً من قبل الدولة، وتساوي في قيمتها الليرة العادية. الهدف منها ليس المضاربة، بل تسهيل المدفوعات الحكومية والتجارية عبر القنوات الإلكترونية، في محاولة لمواكبة التطورات المالية العالمية التي تتجه نحو رقمنة الاقتصاد.

التحديات التقنية والبنية التحتية

رغم الطموح الحكومي، يواجه مصير هذه العملة تحديات جسيمة قد تعرقل نجاحها. أبرز هذه التحديات هو واقع البنية التحتية التكنولوجية في سوريا. يعاني قطاع الاتصالات والكهرباء من أزمات متلاحقة، حيث تصل ساعات تقنين الكهرباء إلى مستويات قياسية في معظم المحافظات، كما تعاني شبكة الإنترنت من بطء وانقطاعات متكررة. إن نجاح أي عملة رقمية يعتمد بشكل كلي على توفر تيار كهربائي مستقر واتصال دائم بالإنترنت، وهو ما يفتقده السواد الأعظم من السوريين حالياً، مما يطرح تساؤلات جدية حول إمكانية التطبيق العملي للمشروع.

الأثر الاقتصادي المتوقع

يرى خبراء الاقتصاد أن طرح عملة رقمية لن يكون حلاً سحرياً للتضخم أو لتحسين سعر الصرف ما لم يقترن بإصلاحات اقتصادية حقيقية وزيادة في الإنتاج الوطني. فالعملة الرقمية هي مجرد أداة دفع، وليست مصدراً للقيمة بحد ذاتها. ومع ذلك، قد تساهم هذه الخطوة -في حال نجاحها تقنياً- في تعزيز الشفافية المالية، وتقليل التهرب الضريبي، وتخفيف الضغط على العملة الورقية المتهالكة. إلا أن نجاحها يظل مرهوناً باستعادة ثقة المواطن بالنظام المصرفي وتوفير البيئة التقنية اللازمة لعملها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى