مهرجان البشت الحساوي: احتفاء باليونسكو وعودة الدفة النسائية

في خطوة تعكس عمق الأصالة السعودية وتُبرز مكانة الأحساء كعاصمة للحرف اليدوية، انطلقت النسخة الثالثة من «مهرجان البشت الحساوي»، لتشكل علامة فارقة في تاريخ المهرجانات التراثية بالمملكة. وقد أكد مدير فرع هيئة التراث بالأحساء، محمد المطرودي، أن هذه النسخة تكتسب أهمية استثنائية، كونها تأتي متزامنة مع الإنجاز الوطني الكبير المتمثل في تسجيل عنصر «البشت» رسمياً ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو.
ويأتي هذا الحدث ليرسخ مكانة «البشت» ليس مجرد زي تقليدي، بل كرمز للهوية العربية والوجاهة الاجتماعية التي حافظت عليها المملكة عبر القرون. وتعد الأحساء، التي تشتهر بكونها موطناً لأمهر حياكي المشالح في العالم، الحاضنة الطبيعية لهذا الاحتفاء، حيث توارثت الأجيال هذه الحرفة يدوياً بدقة متناهية، مما جعل «البشت الحساوي» علامة جودة عالمية لا تُضاهى.
التراث المادي وغير المادي تحت مظلة اليونسكو
أوضح المطرودي أن المهرجان نجح في صياغة معادلة ثقافية ذكية ونادرة، حيث ربط بين التراث المادي المتمثل في موقع المهرجان «قصر إبراهيم» التاريخي المسجل في قائمة التراث العالمي، وبين التراث غير المادي المتمثل في مهارات حياكة البشت. هذا التلازم بين المكان والحرفة يمنح الزوار تجربة ثقافية متكاملة تجتمع تحت مظلة «اليونسكو»، مما يعزز من القيمة السياحية والتاريخية لمحافظة الأحساء.
ولم يقتصر المهرجان على البعد المحلي، بل اكتسى صبغة دولية بمشاركة ست دول شقيقة وصديقة، مما حول ساحات القصر التاريخي إلى منصة للحوار الحضاري، تبرز المشتركات الإنسانية في الفنون الحرفية وتضع المنتج السعودي في سياقه العالمي المستحق.
عودة “الدفة النسائية” بعد 60 عاماً
في سابقة نوعية، أعلن المهرجان عن إحياء «بيت الدفة النسائية»، وهي العباءة التقليدية التي كانت سائدة في الأحساء قديماً واندثرت قبل نحو ستين عاماً. وتعود هذه القطعة التراثية اليوم إلى الواجهة كشاهد حي على عراقة الأزياء النسائية في المنطقة، وذلك عبر مشروع توثيق دقيق تم بالشراكة مع دارة الملك عبدالعزيز، وبالتعاون الاستراتيجي مع جمعية الآثار بالشرقية وجمعية فتاة الأحساء، لتقديم نماذج أصيلة تحاكي التاريخ.
تقنيات حديثة وجيل المستقبل
تجاوز المهرجان أساليب العرض التقليدية، حيث اعتمد «التجربة الغامرة» التي تدمج بين التكنولوجيا الرقمية الحديثة وخيوط الزري الذهبية التقليدية، مما يتيح للزوار الغوص افتراضياً وحسياً في تفاصيل الصناعة. ولضمان استدامة هذا الإرث، خصصت الهيئة ركن «المعزب الصغير»، الذي يقدم للأطفال جرعات تراثية مكثفة عبر مسرحيات الظل والتدريب اليدوي، لضمان انتقال شعلة الهوية الوطنية إلى الأجيال القادمة.
وقد حظيت هذه التظاهرة برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نايف بن عبدالعزيز أمير المنطقة الشرقية، وتشريف نائبه ومحافظ الأحساء، مما يعكس اهتمام القيادة الرشيدة بملف التراث الثقافي. وقد تزينت سماء الحفل بعروض طائرات «الدرون» التي شكلت لوحات فنية تعبر عن الفخر والكرم، داعية الزوار للاستمتاع بفعاليات المهرجان المستمرة يومياً حتى 7 فبراير.



