أخبار العالم

جرينلاند وواشنطن: مباحثات استراتيجية ومصير الجزيرة القطبية

أكد رئيس وزراء جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، أن حكومته تترقب التوصل إلى "نتائج ملموسة" من خلال الحوار الجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في كلمة ألقاها خلال افتتاح دورة الشتاء لبرلمان الجزيرة. ويأتي هذا التصريح في وقت تتزايد فيه الأطماع الأمريكية والاهتمام الاستراتيجي بالجزيرة القطبية، مما يضع حكومة الحكم الذاتي أمام تحديات دبلوماسية كبيرة للحفاظ على مصالحها وسيادتها.

أبعاد الاهتمام الأمريكي: سياق تاريخي واستراتيجي

لم يكن الاهتمام الأمريكي بجرينلاند وليد اللحظة أو مجرد فكرة عابرة من إدارة الرئيس دونالد ترامب؛ بل يمتد لجذور تاريخية وجيوسياسية عميقة. فمنذ عام 1946، حاولت إدارة الرئيس هاري ترومان شراء الجزيرة من الدنمارك نظراً لموقعها الاستراتيجي الحاسم بين أمريكا الشمالية وأوروبا وروسيا. وتكتسب الجزيرة اليوم أهمية مضاعفة مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، مما يفتح ممرات ملاحية جديدة ويسهل الوصول إلى ثروات طبيعية هائلة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة التي تعد حيوية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة.

علاوة على ذلك، تحتضن الجزيرة قاعدة "ثول" الجوية الأمريكية، وهي أقصى قاعدة عسكرية للولايات المتحدة في الشمال، وتلعب دوراً محورياً في نظام الإنذار المبكر الصاروخي ومراقبة الفضاء، مما يجعل الحفاظ على النفوذ في هذه المنطقة مسألة أمن قومي لواشنطن، خاصة في ظل التنافس المتصاعد مع قوى عظمى أخرى مثل روسيا والصين في المنطقة القطبية.

مسار المباحثات والتحركات الدبلوماسية

وفي سياق الحوار الحالي، أوضح نيلسن للنواب أن "الحوار قد بدأ بالفعل، وأن حكومة جرينلاند ستعمل بعزم وإصرار لضمان أن يؤدي هذا المسار إلى نتائج ملموسة تخدم مصلحة الشعب الجرينلاندي". وقد تُرجمت هذه التحركات عملياً من خلال عقد الاجتماع الأول لمجموعة العمل المشتركة في العاصمة واشنطن بتاريخ 28 يناير، والذي ضم مسؤولين رفيعي المستوى من الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة.

من جانبه، وصف وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكي راسموسن، أجواء الاجتماع بأنها كانت "بناءة للغاية"، مؤكداً أن الأمور سارت بشكل جيد، مما يعكس رغبة الأطراف في احتواء التوترات السابقة والبحث عن صيغ تعاون مشترك بدلاً من التصادم.

الدعم الأوروبي والموقف من السيادة

وفي إطار تعزيز موقف بلاده التفاوضي، أشار نيلسن إلى أهمية التحركات الدبلوماسية الموازية، حيث التقى مع رئيسة وزراء الدنمارك وقادة أوروبيين بارزين مثل الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني. وشدد على أن المباحثات مع إدارة ترامب يجب أن تسير بالتوازي مع تعزيز "الحوار الوثيق مع الدول الغربية" والتعاون المستمر مع الاتحاد الأوروبي.

وقال نيلسن بلهجة واثقة: "لسنا وحدنا في هذه المعركة الدبلوماسية، ونحن محميون؛ فكل دول الاتحاد الأوروبي تقف خلفنا وتدعم موقفنا". وجدد التأكيد على المبدأ الثابت بأن "جرينلاند ليست للبيع أو الشراء"، وهو الموقف الذي تكرر بحزم في كل مرة ألمح فيها ترامب إلى رغبته في ضم الجزيرة.

ترامب وجرينلاند: جدل السياسة والسيادة

احتواء الأزمة داخل الناتو

تأتي هذه المباحثات الثلاثية (الدنمارك، جرينلاند، الولايات المتحدة) كخطوة لتهدئة الأجواء بعد التوترات التي أثارتها تصريحات ترامب السابقة حول السيطرة على الجزيرة، والتي كادت أن تتسبب في أزمة دبلوماسية عميقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو). ورغم تراجع ترامب عن لغة التهديد بالقوة، إلا أنه أعلن عن التوصل إلى "إطار" لاتفاق مع الأمين العام للحلف مارك روته، وذلك على هامش منتدى دافوس الاقتصادي، دون الكشف عن تفاصيل دقيقة، مما يبقي الباب مفتوحاً أمام تكهنات حول طبيعة الترتيبات الأمنية والاقتصادية المستقبلية في المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى