تراجع التضخم في فرنسا لأدنى مستوى في 5 أعوام وأثر الموازنة

سجل الاقتصاد الفرنسي تحولاً لافتاً في مؤشرات الأسعار، حيث انخفض معدل التضخم في فرنسا إلى أدنى مستوى له منذ خمسة أعوام، مستقراً عند مستويات تقل بوضوح عن الهدف الذي حدده البنك المركزي الأوروبي والبالغ 2%. ويأتي هذا التراجع الملحوظ ليعكس حالة من الهدوء النسبي في الأسواق بعد فترات من التقلبات، مدعوماً بشكل رئيسي بانخفاض أسعار الطاقة التي كانت تشكل العبء الأكبر على المستهلكين والشركات في الفترات السابقة.
تفاصيل البيانات الاقتصادية وتراجع الأسعار
وفقاً للبيانات الصادرة عن مكتب الإحصاء الفرنسي، شهدت أسعار المستهلكين ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.4% فقط خلال شهر يناير الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وهو تباطؤ ملموس مقارنة بنسبة 0.7% التي سُجلت في شهر ديسمبر. وتُظهر هذه الأرقام نجاح السياسات النقدية والمالية، إلى جانب العوامل الموسمية، في كبح جماح الأسعار التي أرهقت كاهل الأسر الفرنسية لسنوات.
وتشير التحليلات التفصيلية إلى أن هذا الانخفاض جاء مدفوعاً بشكل أساسي بتراجع أسعار المنتجات الصناعية، وفي مقدمتها الملابس والأحذية. وقد ساهم تمديد فترة تخفيضات الشتاء (Sales) مقارنة بالعام الماضي في تشجيع الاستهلاك بأسعار أقل، مما أثر إيجاباً على المؤشر العام للتضخم. كما سجلت أسعار الخدمات نموًا أقل من 2% لأول مرة منذ أربع سنوات، مما يشير إلى تراجع الضغوط التضخمية في قطاع الخدمات الذي يعتبر مكوناً رئيسياً في سلة المستهلك.
السياق الاقتصادي ودور البنك المركزي الأوروبي
يحمل هذا التراجع دلالات اقتصادية هامة على المستويين المحلي والأوروبي. ففرنسا، بصفتها ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، تلعب دوراً محورياً في تحديد التوجهات الاقتصادية للتكتل. بقاء التضخم دون هدف البنك المركزي الأوروبي (2%) قد يمنح صناع السياسة النقدية في فرانكفورت مرونة أكبر في التعامل مع أسعار الفائدة مستقبلاً، حيث أن انحسار التضخم يقلل من الحاجة إلى سياسات نقدية متشددة، مما قد يحفز الاستثمار والنمو الاقتصادي في المنطقة.
الاستقرار السياسي وتأثيره على الاقتصاد
لا يمكن فصل هذا التحسن الاقتصادي عن المشهد السياسي، حيث نجحت فرنسا مؤخراً في إقرار موازنة عام 2026 التي طال انتظارها. جاء هذا الإقرار بعد تجاوز الحكومة لاقتراحين بحجب الثقة، مما مهد الطريق لفترة من الاستقرار النسبي لحكومة الأقلية بقيادة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو. يُعد إقرار الموازنة خطوة حاسمة لطمأنة الأسواق والمستثمرين حول الاستدامة المالية لفرنسا وقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحاتها الاقتصادية.
التوقعات المستقبلية: بين الارتفاع التدريجي وقوة اليورو
على الرغم من البيانات الإيجابية الحالية، يتوقع الاقتصاديون أن يبدأ التضخم الأساسي في الارتفاع بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة، مدفوعاً بتأثيرات تعديل أسعار الكهرباء. ومع ذلك، تظل هناك مخاطر نزولية تلوح في الأفق نتيجة قوة عملة اليورو؛ فارتفاع قيمة اليورو يجعل الواردات أرخص، مما يساهم في خفض التضخم المستورد، ولكنه قد يؤثر سلباً على تنافسية الصادرات الفرنسية. وتبقى الأنظار موجهة نحو كيفية موازنة الحكومة والبنك المركزي بين الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي المستدام.



