السعودية وتركيا: توسيع التعاون الاستراتيجي في الدفاع والطاقة

تشهد العلاقات السعودية التركية تحولاً نوعياً ومرحلة جديدة من الازدهار، حيث تمضي الدولتان قدماً في توسيع نطاق التعاون الاستراتيجي ليشمل مجالات حيوية وحساسة، أبرزها السياسة، الطاقة، والصناعات الدفاعية. يأتي هذا التقارب تتويجاً لسلسلة من الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين قيادتي البلدين، والتي أسست لأرضية صلبة من التفاهم المشترك والمصالح المتبادلة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
سياق تاريخي ومسار تصاعدي للعلاقات
لا يمكن قراءة هذا التوسع في التعاون بمعزل عن السياق العام الذي شهدته السنوات القليلة الماضية، حيث نجحت الرياض وأنقرة في طي صفحة الخلافات السابقة وبدء صفحة جديدة عنوانها “الشراكة الاستراتيجية”. وقد شكلت الزيارات المتبادلة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان نقاط تحول جوهرية، أعادت رسم خارطة التحالفات في المنطقة، مؤكدة على ثقل الدولتين كركيزتين أساسيتين للاستقرار في الشرق الأوسط.
التعاون الدفاعي: قفزة نوعية وتوطين للصناعات
يحتل الملف الدفاعي صدارة المشهد في هذا التقارب، حيث لم يقتصر الأمر على صفقات الشراء التقليدية، بل تجاوز ذلك إلى اتفاقيات ضخمة لتوطين الصناعات العسكرية. وتُعد الاتفاقيات المتعلقة بالطائرات المسيرة التركية (الدرون) نموذجاً بارزاً لهذا التعاون، حيث تسعى المملكة العربية السعودية ضمن “رؤية 2030” إلى توطين ما يزيد عن 50% من إنفاقها العسكري. وتلعب الخبرة التركية المتقدمة في هذا المجال دوراً محورياً في دعم الطموحات السعودية، مما يعزز القدرات الدفاعية للمملكة ويفتح آفاقاً لتبادل الخبرات التقنية والعسكرية.
شراكة اقتصادية وطاقة مستدامة
على الصعيد الاقتصادي وفي قطاع الطاقة، تتلاقى أهداف البلدين بشكل ملحوظ. فبينما تسعى تركيا لجذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز استقرارها المالي، تبحث السعودية عن شركاء موثوقين لتنويع اقتصادها ومشاريع البنية التحتية العملاقة. ويشمل التعاون المتنامي مجالات الطاقة المتجددة، والربط الكهربائي، بالإضافة إلى التعاون في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات. كما عادت شركات المقاولات التركية لتلعب دوراً نشطاً في المشاريع التنموية الكبرى داخل المملكة.
الأهمية الاستراتيجية والتأثير الإقليمي
يحمل هذا التحالف أبعاداً جيوسياسية هامة؛ فالتنسيق السياسي بين الرياض وأنقرة يساهم بشكل مباشر في حلحلة العديد من الملفات العالقة في المنطقة، ويعزز من فرص الأمن والاستقرار الإقليمي. إن توحيد الرؤى بين قوتين إقليميتين بحجم السعودية وتركيا يخلق تكتلاً قوياً قادراً على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية العالمية، مما يعود بالنفع ليس فقط على شعبي البلدين، بل على المنطقة العربية والإسلامية بأسرها.



