جوتيريش يحذر من خطر نووي مع انتهاء معاهدة نيو ستارت

في تحذير شديد اللهجة يعكس خطورة المرحلة الراهنة، وجه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، دعوة عاجلة وحاسمة إلى كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، مطالباً إياهما بالإسراع في العودة إلى طاولة المفاوضات لتوقيع اتفاق جديد للحد من الأسلحة النووية. تأتي هذه الدعوة عشية انتهاء صلاحية معاهدة “نيو ستارت”، وهي الركيزة الأخيرة المتبقية للرقابة على الترسانات النووية بين القوتين العظميين، مما يضع العالم أمام ما وصفه جوتيريش بـ “لحظة عصيبة على السلام والأمن الدوليين”.
ومع حلول موعد انتهاء المعاهدة اليوم الخميس، تتحرر موسكو وواشنطن رسمياً من القيود الصارمة التي كانت مفروضة على ترسانتيهما النوويتين، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات مقلقة لسباق تسلح جديد غير مقيد.
عالم بلا قيود نووية لأول مرة منذ عقود
أعرب جوتيريش في بيان رسمي عن قلقه العميق قائلاً: “للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن، نواجه عالماً بلا أي قيود ملزمة على الترسانات النووية الاستراتيجية للاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية”. وأكد أن معاهدة “نيو ستارت”، إلى جانب اتفاقيات سابقة لمراقبة التسلح، ساهمت بشكل جذري في تعزيز أمن الشعوب وتجنيب العالم ويلات الحروب النووية.
وأضاف الأمين العام محذراً من التوقيت الحرج لهذا الفراغ القانوني: “هذا الإنهاء لعقود من الإنجازات لا يمكن أن يأتي في وقت أسوأ من هذا، إذ إن خطر استخدام سلاح نووي هو الأعلى منذ عقود”، مشدداً على ضرورة الاتفاق على إطار بديل دون تأخير.
خلفية تاريخية: انهيار آخر حصون الرقابة
لفهم خطورة الموقف، يجب النظر إلى السياق التاريخي لمعاهدة “نيو ستارت” (New START) التي وُقعت في براغ عام 2010 بين الرئيسين آنذاك باراك أوباما وديمتري ميدفيديف. دخلت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 2011 كخليفة لمعاهدة “ستارت 1″، وهدفت إلى خفض الرؤوس الحربية النووية الاستراتيجية المنشورة إلى 1550 رأساً لكل طرف، أي بانخفاض يقارب 30% عن الحد السابق المفروض عام 2002، بالإضافة إلى تحديد عدد القاذفات والصواريخ الباليستية بـ 700 وحدة.
كانت المعاهدة تمثل حجر الزاوية في الأمن الاستراتيجي العالمي، ليس فقط لتحديدها سقف التسلح، بل لأنها تضمنت آليات تحقق صارمة سمحت لكل طرف بإجراء عمليات تفتيش ميدانية (18 عملية تفتيش سنوياً) وتبادل البيانات حول القوات النووية، مما عزز الشفافية والثقة المتبادلة.
تداعيات غياب الاتفاق: سيناريوهات مقلقة
إن انتهاء العمل بالمعاهدة دون بديل فوري يحمل تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية:
- على الصعيد الأمني: يعني غياب آليات التفتيش -التي عُلقت أصلاً خلال جائحة كورونا ولم تُستأنف- انعدام الشفافية، مما يزيد من خطر سوء التقدير أو الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى نزاع نووي غير مقصود.
- سباق تسلح جديد: تسيطر روسيا والولايات المتحدة حالياً على أكثر من 80% من الرؤوس الحربية النووية في العالم. غياب القيود قد يدفع الطرفين إلى تحديث وتوسيع ترسانتيهما، مما قد يجر قوى نووية أخرى مثل الصين للانخراط في سباق تسلح ثلاثي الأقطاب، مما يهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي.
- الأثر الاقتصادي: التحول نحو سباق تسلح مفتوح سيستنزف ميزانيات ضخمة يمكن توجيهها للتنمية، حيث تتطلب صيانة وتطوير الأسلحة النووية موارد مالية هائلة.
وفي سياق متصل، نقلت تقارير إعلامية عن وزارة الخارجية الروسية بيانها الذي أكدت فيه أن “أطراف معاهدة نيو ستارت لم تعد ملزمة بأي تعهدات أو إعلانات متبادلة في إطار المعاهدة”، مما يرسخ حالة الضبابية التي تخيم على المشهد الدولي.



