جنوب أفريقيا تسحب قواتها من الكونغو بعد 27 عاماً من حفظ السلام

أعلنت جمهورية جنوب أفريقيا رسمياً عن قرارها بإنهاء مشاركتها الطويلة في بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUSCO)، مسدلة الستار على فصل استمر لنحو 27 عاماً من العمل العسكري والدبلوماسي في واحدة من أكثر المناطق اضطراباً في القارة السمراء. وجاء هذا الإعلان عبر بيان صادر عن مكتب الرئيس سيريل رامافوسا، مؤكداً إبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بهذه الخطوة الاستراتيجية.
تفاصيل القرار وأسبابه المعلنة
أوضح مكتب الرئاسة في جنوب أفريقيا أن قرار سحب القوات لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل جاء نتيجة مراجعة شاملة للموارد العسكرية للبلاد. وأشار البيان إلى أن “بريتوريا تعتزم سحب قواتها من بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية الكونغو الديمقراطية”، مبرراً ذلك بالحاجة الملحة إلى إعادة تنظيم موارد القوات المسلحة لجنوب أفريقيا (SANDF) وتوجيهها بما يخدم المصالح الوطنية والأمنية الراهنة. وقد ساهمت جنوب أفريقيا بأكثر من 700 جندي في هذه البعثة، ولعبت دوراً محورياً في العمليات اللوجستية والقتالية ضد الجماعات المتمردة.
السياق التاريخي للدور الجنوب أفريقي
يعود تاريخ انخراط جنوب أفريقيا في الكونغو الديمقراطية إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، عقب انتهاء نظام الفصل العنصري وسعي جنوب أفريقيا الجديدة للعب دور القيادة الإقليمية وصانعة السلام في القارة. منذ ذلك الحين، كانت القوات الجنوب أفريقية جزءاً أساسياً من جهود الأمم المتحدة، بدءاً من بعثة منظمة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية (MONUC) وصولاً إلى بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار (MONUSCO). ولم يقتصر الدور على الجانب العسكري فحسب، بل شمل جهوداً دبلوماسية مكثفة لرأب الصدع بين الفصائل الكونغولية المتناحرة وتأمين الانتخابات في مراحل مفصلية من تاريخ البلاد.
التداعيات الأمنية والسياسية المتوقعة
يأتي هذا الانسحاب في وقت تشهد فيه منطقة شرق الكونغو تصاعداً في وتيرة العنف، لا سيما مع نشاط حركة “إم 23” وغيرها من الجماعات المسلحة. ويثير خروج القوات الجنوب أفريقية من مظلة الأمم المتحدة تساؤلات حول الفراغ الأمني المحتمل، إلا أن مراقبين يشيرون إلى أن هذا الانسحاب يتزامن مع تحولات في استراتيجية حفظ السلام الدولية، حيث تواجه بعثة الأمم المتحدة ضغوطاً شعبية ورسمية في الكونغو للمغادرة بدعوى عدم الفاعلية.
على الصعيد الإقليمي، لا يعني هذا الانسحاب تخلي جنوب أفريقيا الكامل عن الكونغو، حيث تشير التوقعات إلى احتمالية استمرار الدعم عبر أطر إقليمية أخرى مثل مجموعة تنمية الجنوب الأفريقي (SADC)، ولكن بصيغة تختلف عن الانتداب الأممي التقليدي. ويعد هذا التحول مؤشراً على رغبة الدول الأفريقية في الاعتماد على حلول أمنية إقليمية بدلاً من البعثات الدولية طويلة الأمد التي غالباً ما تواجه تحديات في التمويل وتجديد التفويض.



