محليات

زيارة الأمير ويليام للسعودية: شراكة استراتيجية ومستقبل اقتصادي

تكتسب زيارة الأمير ويليام، ولي عهد بريطانيا، إلى المملكة العربية السعودية أهمية استثنائية في توقيت دقيق يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية عالمية. وتأتي هذه الزيارة لتؤكد عمق العلاقات التاريخية التي تربط الرياض ولندن، ولتعكس التقدير الكبير الذي تكنه الحكومة البريطانية للمكانة السياسية والثقل الاقتصادي الذي تتمتع به المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد -حفظهما الله-.

جذور تاريخية وشراكة استراتيجية متجددة

لا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن السياق التاريخي العريق للعلاقات السعودية البريطانية التي تمتد لأكثر من قرن. وقد شكلت زيارة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى المملكة المتحدة في عام 2018 نقطة تحول مفصلية، حيث تم خلالها إطلاق "مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي البريطاني". هذا المجلس لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل أصبح الإطار المؤسسي الأهم الذي ينظم العلاقات الثنائية، دافعاً بها نحو آفاق أرحب تشمل التنسيق السياسي، التعاون الأمني، والشراكة الاقتصادية المستدامة.

قفزات اقتصادية وأرقام قياسية

على الصعيد الاقتصادي، أثمرت هذه الشراكة عن نتائج ملموسة تتحدث لغة الأرقام؛ فقد شهدت التجارة البينية نمواً تجاوز 30% في الفترة من 2018 إلى 2023، لتصل إلى مستويات قياسية بلغت 103 مليارات دولار. وتشير البيانات الحديثة إلى استمرار هذا الزخم، حيث سجل التبادل التجاري في عام 2024 نحو 7.67 مليار دولار، بنمو قدره 13% مقارنة بالعام السابق. وتطمح المملكتان للوصول بحجم التجارة البينية إلى 37.5 مليار دولار بحلول عام 2030، مدعومة برؤية المملكة 2030 التي تنظر إليها لندن كفرصة استثمارية هائلة ومشروع تحول وطني غير مسبوق.

مبادرة "GREAT FUTURES" وتوسيع الاستثمار

في إطار تعزيز التعاون، برزت مبادرة (GREAT FUTURES) كواحدة من أهم المنصات التي جمعت قادة الأعمال من البلدين، حيث شهدت توقيع 38 اتفاقية بقيمة استثمارية بلغت 20 مليار ريال. هذا الحراك الاقتصادي يتزامن مع تعاون وثيق بين صندوق الاستثمارات العامة والهيئة البريطانية لتمويل الصادرات (UKEF)، لتعزيز حضور الشركات البريطانية في السوق السعودي، حيث ارتفع رصيد الاستثمارات البريطانية المباشرة في المملكة إلى 17.3 مليار دولار في عام 2024.

التعاون في مجالات المستقبل والدفاع

تتجاوز الشراكة الجوانب التقليدية لتشمل قطاعات المستقبل؛ حيث وقع الجانبان مذكرات تفاهم نوعية في مجالات الذكاء الاصطناعي، علوم الفضاء، والتقنيات المتقدمة. كما تظل الشراكة الدفاعية ركيزة أساسية، حيث يعمل البلدان على تطوير القدرات الدفاعية وتوطين الصناعات العسكرية بما يخدم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وفي ملف الاستدامة، تقود الرياض ولندن جهوداً عالمية في مجالات الهيدروجين الأخضر وتقنيات احتجاز الكربون، مما يجعل شراكتهما نموذجاً يحتذى به في التحول نحو الطاقة النظيفة وتحقيق الحياد الصفري، بالتوازي مع التزام المملكة بضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى