المدينة المنورة تحتضن الملتقى السعودي الأول للتقييم الطبي

انطلقت في المدينة المنورة فعاليات "الملتقى السعودي الأول للتقييم الطبي متعدد التخصصات وتكامل السياسات"، والذي يُعد حدثاً نوعياً يهدف إلى تسليط الضوء على آليات التعامل مع قضايا الإساءة والاعتداءات الجنسية. ويأتي هذا الملتقى الذي يستمر لمدة يومين في قاعة إدارة الشؤون الأكاديمية والتدريب بفرع وزارة الصحة، ليجمع نخبة من الخبراء والمختصين من القطاعات الصحية، الأمنية، العدلية، والقانونية، في خطوة تهدف لتعزيز الاستجابة الوطنية الموحدة لهذه القضايا الحساسة.
سياق وطني لتعزيز العدالة وحماية الحقوق
يأتي تنظيم هذا الملتقى في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية تطوراً ملحوظاً في منظومتها العدلية والصحية، تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030 التي تركز على جودة الحياة وحماية حقوق الإنسان. وتكتسب هذه الفعالية أهمية قصوى كونها تؤسس لعمل مؤسسي متكامل يربط بين التشخيص الطبي الدقيق والمسار القضائي العادل. ففي السابق، كانت التحديات تكمن في تباين الإجراءات بين الجهات المختلفة، مما يجعل من هذا الملتقى نقطة تحول محورية لتوحيد البروتوكولات وضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، مع توفير أقصى درجات الرعاية والحماية للضحايا، وخاصة الفئات المستضعفة كالأطفال.
إطار وطني موحد وتطوير مهني
في مستهل جلسات الملتقى، أكد الدكتور فيصل الزبيدي، استشاري الطب الشرعي، أن هذا التجمع جاء استجابة لحاجة ملحة لإيجاد إطار وطني موحد يدمج الخبرات العدلية والطبية والجنائية والاجتماعية. وأشار إلى أن الجمعية السعودية للطب الشرعي تعمل ضمن استراتيجيتها على تطوير السياسات المنظمة للعلوم الطبية الشرعية، معلناً عن توجه الجمعية لإطلاق أول برنامج تطوير مهني متخصص لتأهيل الأطباء في التعامل مع حالات الاعتداء الجنسي وفق منهجية علمية صارمة.
ويهدف الملتقى بشكل رئيسي إلى رفع جودة التوثيق الطبي للتقارير، وهو ما يعتبر حجر الزاوية في القضايا الجنائية، بالإضافة إلى تعزيز سرعة الاستجابة الطبية وضمان تقديم الدعم النفسي والاجتماعي المتكامل للحالات في الوقت المناسب.
جلسات علمية تناقش الأدلة الجنائية وحماية الطفل
شهد اليوم الأول زخماً علمياً كبيراً، حيث استهل فضيلة الشيخ وليد الحسن الجلسات بطرح حول دور الجهات الأمنية والقانونية، مستعرضاً تجربة "غرف الاستنطاق" الخاصة بالأطفال، والتي تعد نقلة نوعية في توفير بيئة آمنة للاستماع تراعي نفسية الطفل وتحفظ كرامته. وتلا ذلك ورقة علمية للدكتور عادل دخيل الله العياضي حول دور مراكز الحماية، والدكتور أحمد العقيلان الذي فصل في الجوانب الفنية لجمع الأدلة.
من جانبها، ركزت الدكتورة فادية الخطابي على دور النظام الصحي ومسارات الرعاية، بينما قدم الدكتور نواف الجهني، استشاري الطب الشرعي، طرحاً متقدماً حول "بناء السردية الجنائية"، موضحاً كيف يتحول التاريخ الطبي من مجرد كلمات إلى وثيقة عدلية راسخة، مشدداً على أن البروتوكول الدقيق هو الجسر الآمن لاسترداد الحقوق.
التكامل بين الطب الشرعي والدعم النفسي
وفي سياق متصل، قدمت الاستشارية الدكتورة خلود الصويغ عرضاً حول التفسير متعدد التخصصات، مبرزة أهمية العمل الجماعي بين الطب الشرعي والجهات الأمنية والدعم النفسي. وشددت على مبادئ "الرعاية المتمحورة حول الضحية" وضرورة تجنب التحيز المعرفي أثناء التقييم. واختتمت الجلسات بعرض للدكتور رائد العبيدان، الذي استعرض حالات عملية للتفريق الدقيق بين الأمراض الجلدية وآثار العنف، وهو جانب فني دقيق يبرز أهمية الخبرة التخصصية في تحقيق العدالة ومنع الاتهامات الخاطئة أو ضياع الحقوق.



