أخبار العالم

ستارمر في ميونخ: أوروبا عملاق نائم ويجب تقليل الاعتماد على أمريكا

في خطاب مفصلي يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية للقارة العجوز، دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر القادة الأوروبيين إلى ضرورة الخروج من عباءة الحماية الأمريكية، واصفاً أوروبا بأنها "عملاق نائم" يمتلك مقومات القوة لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة لاستخدامها. جاء ذلك خلال كلمته المرتقبة في مؤتمر ميونخ للأمن، حيث شدد على أهمية بناء استقلالية دفاعية أوروبية لا تعني الانفصال عن واشنطن، بل تعزيز الشراكة عبر تقاسم عادل للأعباء.

كير ستارمر - وكالات

هاجس ترامب ومستقبل الناتو

تأتي تصريحات ستارمر في توقيت حساس للغاية بالنسبة للقارة الأوروبية، حيث تتزايد المخاوف في العواصم الكبرى من تبعات السياسات الأمريكية في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب. ولطالما شكلت تصريحات ترامب، التي تنتقد ضعف الإنفاق العسكري الأوروبي وتهدد بعدم الالتزام بالدفاع عن الدول التي لا تسدد حصصها المالية، كابوساً يؤرق قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ويدرك القادة الأوروبيون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن الاعتماد الكلي على المظلة النووية والدفاعية الأمريكية لم يعد خياراً استراتيجياً آمناً ومستداماً في ظل التقلبات السياسية في واشنطن.

وفي هذا السياق، أشار ستارمر في مقتطفات من خطابه نشرتها رئاسة الحكومة إلى رؤية جديدة للأمن الأوروبي، قائلاً: "أتحدث عن رؤية للأمن الأوروبي وعن قدر أكبر من الاستقلالية الأوروبية". هذه الرؤية تأتي استجابة لواقع جيوسياسي جديد يفرض على أوروبا أن تكون لاعباً فاعلاً وليس مجرد متلقٍ للقرارات الاستراتيجية التي تُصنع عبر الأطلسي.

ترامب خلال لقائه ستارمر في اسكتلندا (متداولة)

الاقتصاد كسلاح ردع

واستند رئيس الوزراء البريطاني في مقاربته إلى حقائق اقتصادية دامغة، موضحاً أن القوة الاقتصادية لأوروبا تفوق الاقتصاد الروسي بعشرة أضعاف. هذا التفاوت الهائل في القدرات الاقتصادية يطرح تساؤلات جوهرية حول سبب عجز أوروبا عن ترجمة ثقلها المالي إلى قوة عسكرية رادعة قادرة على لجم الطموحات الروسية. ومع دخول الحرب في أوكرانيا عامها الخامس، يسعى ستارمر لتذكير حلفائه بأن "العملاق النائم" يمتلك بالفعل قدرات دفاعية هائلة كامنة تحتاج فقط إلى التفعيل والتنسيق المشترك.

الأمن البريطاني والأوروبي: مصير واحد

على الرغم من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، إلا أن ستارمر حرص على التأكيد أن الجغرافيا والمصير المشترك يربطان أمن المملكة المتحدة بأمن القارة. وأوضح داونينغ ستريت أن الخطاب سيركز على تعزيز التعاون الدفاعي بين لندن وبروكسل، حيث سيقول ستارمر بوضوح: "لا أمن بريطاني بدون أوروبا، ولا أمن أوروبي بدون بريطانيا". هذه الرسالة تهدف إلى طي صفحة الخلافات السياسية والتركيز على التحديات الوجودية التي تواجهها القارة، خاصة مع تزايد العدوانية الروسية في الشرق.

إن دعوة ستارمر لا تمثل مجرد خطاب سياسي عابر، بل تعكس تحولاً في العقيدة العسكرية الغربية نحو "الاستقلال الاستراتيجي"، وهو المفهوم الذي طالما نادت به فرنسا، ويبدو أن بريطانيا اليوم باتت تتبناه كضرورة حتمية لضمان استقرار النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى