قمع المحامين في صنعاء: انتهاكات الحوثي تهدد العدالة

يشهد قطاع المحاماة في العاصمة اليمنية صنعاء، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي (أنصار الله)، حالة غير مسبوقة من التضييق والقمع الممنهج، مما يضع مهنة المحاماة ورجال القانون أمام تحديات وجودية تهدد جوهر العدالة. وتأتي هذه الممارسات في وقت تتزايد فيه التقارير الحقوقية التي توثق تعرض العشرات من المحامين للاعتداءات، والاعتقالات التعسفية، والتهديدات المستمرة أثناء تأدية واجبهم المهني داخل المحاكم والنيابات.
سياق تاريخي لتجريف المؤسسة القضائية
لم يكن هذا التصعيد ضد المحامين وليد اللحظة، بل هو نتاج مسار طويل بدأ منذ سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة في سبتمبر 2014. فمنذ ذلك الحين، عملت سلطات الأمر الواقع في صنعاء على إعادة هيكلة السلطة القضائية بما يخدم أجندتها الخاصة، مستبدلةً العديد من الكوادر القضائية المستقلة بشخصيات موالية لها تفتقر في كثير من الأحيان للكفاءة القانونية اللازمة. ويأتي استهداف المحامين كحلقة أخيرة في سلسلة السيطرة الكاملة على مفاصل القضاء، لضمان عدم وجود أي صوت قانوني معارض أو مدافع حقيقي عن حقوق المتهمين، خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي.
أدوات القمع: من الترهيب إلى “مدونة السلوك”
تتنوع أساليب القمع التي تمارسها الأجهزة الأمنية والقضائية في صنعاء ضد المحامين. فإلى جانب الاعتقالات المباشرة وتلفيق التهم، تفرض الجماعة قيوداً صارمة عبر ما يسمى بـ “مدونة السلوك الوظيفي”، التي تُلزم المحامين والقضاة بحضور دورات ثقافية ذات طابع طائفي كشرط لممارسة المهنة أو البقاء في مناصبهم. كما يواجه المحامون الذين يترافعون في قضايا الرأي أو القضايا التي تمس قيادات نافذة، حملات تشهير وتحريض تصل إلى حد التهديد بالتصفية الجسدية، مما دفع الكثيرين منهم إلى مغادرة العاصمة أو اعتزال المهنة قسراً.
تداعيات خطيرة على حقوق الإنسان
إن استهداف شريحة المحامين لا يمثل انتهاكاً لحقوقهم المهنية فحسب، بل يشكل ضربة قاصمة لمبادئ حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة في اليمن. فغياب المحامي المستقل يعني حرمان المواطنين من حق الدفاع المقدس، وتحويل المحاكمات إلى إجراءات شكلية تشرعن الأحكام المسبقة. ويحذر مراقبون قانونيون ومنظمات دولية من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى انهيار كامل لما تبقى من منظومة العدالة في مناطق سيطرة الحوثيين، مما يفاقم من معاناة المدنيين ويغيب أي أفق للمساءلة والإنصاف في المستقبل القريب.



