مناورات الناتو في البلطيق: تدريبات عسكرية لردع روسيا

شهدت السواحل الألمانية المطلة على بحر البلطيق، اليوم، انطلاق مناورات عسكرية ضخمة بمشاركة الآلاف من قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في خطوة وصفها مراقبون ومسؤولون عسكريون بأنها رسالة حازمة تعكس جاهزية الحلف لردع أي تهديدات محتملة من جانب روسيا. وتأتي هذه التدريبات في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية توترات جيوسياسية غير مسبوقة، مما يستدعي رفع مستوى التأهب القتالي للقوات المشتركة.
تفاصيل المناورات في ميدان بوتلوث
تركزت التدريبات، التي شاركت فيها قوات بحرية وخاصة، على سيناريوهات السيطرة على الشواطئ وتأمين المناطق الساحلية. وجرت الفعاليات الرئيسية في ميدان "بوتلوث" للتدريب العسكري بالقرب من مدينة كيل الساحلية. وتندرج هذه الأنشطة ضمن إطار مناورات "ستيدفاست دارت 2026" (Steadfast Dart 2026)، والتي تعد من بين الأوسع نطاقاً لاختبار قدرة الحلف على تحريك القوات والمعدات بسرعة فائقة عبر أراضي الدول الأعضاء لتعزيز الجبهات الأمامية.
مشاركة دولية واسعة ومعدات متطورة
شارك في هذه المناورات حوالي 3000 جندي تحت قيادة الجنرال الألماني إنغو غيرهارتس. وتميزت التدريبات بتنوع القوات والعتاد، حيث حلقت في الأجواء مقاتلات ألمانية من طراز "يورو فايتر" لتوفير الغطاء الجوي، بينما شاركت 15 مركبة بحرية في العمليات. وعلى الأرض وفي الماء، برز دور الغواصين القتاليين من القوات الإسبانية، بالإضافة إلى وحدات تركية متخصصة استخدمت مركبات "زاهـا" البرمائية الهجومية، مما يعكس مستوى التنسيق العالي بين جيوش الدول الأعضاء.
الأهمية الاستراتيجية لبحر البلطيق
يكتسب بحر البلطيق أهمية استراتيجية قصوى لحلف الناتو، خاصة بعد انضمام فنلندا والسويد للحلف، مما حول البحر فعلياً إلى ما يشبه "بحيرة أطلسية"، باستثناء الجيوب الروسية. وتأتي هذه التدريبات لتؤكد التزام الحلف بالدفاع عن كل شبر من أراضيه، وتطبيق مبدأ الدفاع الجماعي. ويرى الخبراء أن التدريب على العمليات البرمائية في هذه المنطقة يعد أمراً حيوياً لضمان بقاء خطوط الإمداد مفتوحة وحماية الدول الأعضاء في الجناح الشرقي للحلف.
تصريحات رسمية ورسائل سياسية
وفي تعليقه على الحدث، صرح وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الذي تابع مجريات المناورات ميدانياً، بأن هذه التدريبات تظهر أن الناتو "موحد ومستعد للتحرك" في أي لحظة. وقال بيستوريوس: "خصوصاً في بحر البلطيق، تدهور الوضع الأمني بشكل كبير"، مشيراً إلى أن هذا النوع من المناورات يظهر الجدية التامة بشأن الردع. وتعد هذه التصريحات إشارة واضحة إلى أن الحلف لم يعد يركز فقط على إدارة الأزمات خارج حدوده، بل عاد بقوة إلى عقيدته الأساسية المتمثلة في الدفاع الإقليمي ومواجهة القوى الكبرى المنافسة.
وتعكس هذه التحركات العسكرية التحول الجذري في العقيدة العسكرية الغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث بات التركيز منصباً على السرعة في الحشد العسكري، والتكامل بين القوات البرية والبحرية والجوية، لضمان تفوق نوعي في أي مواجهة محتملة في المستقبل.



