قمع الحوثيين للمجتمع: دلالات التصعيد وهشاشة النفوذ

لم يعد خافياً على المراقبين للشأن اليمني أن لجوء جماعة الحوثي المستمر إلى تطوير أدوات القمع وتشديد القبضة الأمنية لا يعكس بالضرورة قوة وسيطرة مطلقة، بقدر ما يكشف عن هشاشة بنيوية في علاقة الجماعة بالمجتمع اليمني. فكلما زادت الفجوة بين السلطة القائمة بقوة السلاح والشارع، ارتفعت وتيرة الترهيب كمحاولة يائسة لردم هذه الهوة المتسعة.
سياق تاريخي: من الشعارات إلى القبضة الحديدية
منذ اجتياح العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، والانقلاب على مؤسسات الدولة الشرعية، عملت الجماعة بشكل ممنهج على تجريف الهوية الوطنية واستبدالها بكيانات موازية. في بدايات تحركها، رفعت الجماعة شعارات المظلومية والمطالب الاقتصادية لاستعطاف الشارع، لكن سرعان ما تكشفت الحقائق مع مرور السنوات. لقد تحول المشهد في مناطق سيطرتهم من وعود بالرخاء والسيادة إلى واقع يسيطر عليه الخوف، حيث أصبحت السجون تعج بالمعارضين، والصحفيين، والناشطين السياسيين، مما يعكس تحولاً جذرياً في استراتيجية الجماعة من محاولة كسب الولاء إلى فرض الطاعة العمياء بالقوة الجبرية.
مظاهر القمع ودلالاتها السياسية
تتنوع وسائل القمع التي تم رصدها وتوثيقها في التقارير الحقوقية المحلية والدولية، بدءاً من الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري، وصولاً إلى فرض الجبايات الباهظة والضرائب غير القانونية تحت مسميات دينية ومناسباتية مختلفة أثقلت كاهل المواطن اليمني الذي يعاني أصلاً من أسوأ أزمة إنسانية في العالم. ولعل أبرز مؤشرات هذه الهشاشة ظهرت جلياً خلال الاحتفالات الشعبية العفوية بذكرى ثورة 26 سبتمبر المجيدة، حيث واجهت الجماعة المحتفلين بالعلم الوطني بحملات اعتقال واسعة وترهيب غير مسبوق. هذا السلوك العدائي تجاه الرموز الوطنية يبرهن على أن الجماعة ترى في الوعي المجتمعي والتمسك بالجمهورية تهديداً وجودياً لمشروعها القائم على فكرة الولاية والاصطفاء السلالي.
تأثير العزلة المجتمعية ومستقبل العلاقة
إن استمرار هذه الممارسات القمعية يؤدي إلى تعميق العزلة النفسية والاجتماعية للحوثيين عن محيطهم. فالمجتمع اليمني، المعروف بنسيجه القبلي والمدني المتداخل، بدأ يظهر ممانعة صامتة وأحياناً علنية لهذه السياسات الدخيلة. يرى المحللون السياسيون أن الاعتماد المفرط على القوة الأمنية وجهاز المخابرات هو دليل قاطع على إدراك قادة الجماعة لغياب الحاضنة الشعبية الحقيقية، وهو ما يجعل سلطتهم "قلقة" بشكل دائم، تتوجس خيفة من أي تجمع أو نشاط لا يخضع لرقابتها الصارمة.
ختاماً، تشير المعطيات الميدانية إلى أن تطور وسائل القمع ليس إلا غطاءً لمحاولة إخفاء الرفض الشعبي المتنامي، وهو ما يجعل استقرار سلطة الأمر الواقع في صنعاء ومناطق سيطرتها محفوفاً بالمخاطر على المدى الطويل، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الخدمات الأساسية.



