الجراحة الخفية في الرياض: تقنية المنظار الأحادي تنهي زمن الندبات

في قفزة نوعية للقطاع الطبي بالمملكة العربية السعودية، وتحديداً في العاصمة الرياض، كشف استشاري أمراض النساء والولادة وجراحة المناظير والروبوت وجراحة المنظار الأحادي، الدكتور يزيد اليوسف، عن توطين تقنية طبية متطورة تُعرف عالمياً بـ «الجراحة الخفية» أو المنظار الأحادي الفتحة، لينهي بذلك حقبة طويلة من المخاوف المتعلقة بالندبات الجراحية التقليدية.
تطور تاريخي في عالم الجراحة
لفهم أهمية هذا الإنجاز، يجب النظر إلى السياق التاريخي للجراحات النسائية. فلطالما ارتبطت العمليات الجراحية في الأذهان بشق البطن التقليدي الذي يترك ندبات كبيرة وفترة تعافي طويلة ومؤلمة. ومع تطور الطب، ظهرت جراحة المناظير التقليدية التي تعتمد على إحداث 3 إلى 4 فتحات في البطن، ورغم أنها كانت تقدماً كبيراً مقارنة بالجراحة المفتوحة، إلا أنها ظلت تترك آثاراً مرئية. اليوم، تأتي تقنية «المنظار الأحادي» لتنقل هذا التطور إلى مستوى غير مسبوق، حيث يتم إجراء العمليات المعقدة من خلال فتحة واحدة فقط مخفية داخل السرة.
تفاصيل التقنية وآلية عملها
أوضح الدكتور اليوسف أن هذه التقنية المتقدمة تعتمد آلية دقيقة تُغني تماماً عن الجراحات التقليدية أو المناظير متعددة الفتحات. يكتفي الجراح بفتحة يتيمة لا يتجاوز طولها 1.5 سم تقع في قاع السرة، يتم من خلالها إدخال جميع الأدوات الجراحية والكاميرا الدقيقة. وتشمل قائمة العمليات التي يمكن إجراؤها بهذه التقنية طيفاً واسعاً، بدءاً من استئصال الرحم، وإزالة الأكياس المبيضية، وعلاج حالات الحمل خارج الرحم، وصولاً إلى ربط الأنابيب، وإزالة الأورام الليفية، وعلاج الآلام النسائية المزمنة.
فوائد طبية ونفسية تتجاوز التجميل
لا تقتصر ميزة هذه التقنية على الجانب التجميلي بإخفاء الندبة تماماً والحفاظ على مظهر الجسم الطبيعي فحسب، بل تمتد لتشمل جوانب صحية ونفسية عميقة. فقد أظهرت الدراسات تحسناً في الرضا النفسي للمريضات بنسبة تصل إلى 80% مقارنة بالجراحات التقليدية. وأكد اليوسف أن المنظار الأحادي يسهم في خفض معدلات الألم بشكل ملحوظ بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50%؛ والسبب يعود لتجنب قطع العضلات الجانبية للبطن، مما يقلل الحاجة للمسكنات القوية.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية
من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، يُعد توطين هذه التقنية التي كانت محصورة سابقاً في مراكز عالمية محدودة مثل كوريا الجنوبية، مكسباً كبيراً للمنظومة الصحية المحلية. فهي تقلص مدة البقاء في المستشفى لتصبح يوماً واحداً أو أقل، حيث تستطيع المريضة الاستيقاظ وممارسة حياتها وكأنها قضت يوماً عادياً. هذا التعافي السريع يسرّع العودة إلى الحياة الوظيفية ورعاية الأطفال، مما يجعلها خياراً مثالياً للمرأة العاملة والأمهات، ويخفف العبء الاقتصادي على الأسر وعلى النظام الصحي بشكل عام.
المستقبل: دمج الروبوتات والذكاء الاصطناعي
وفي سياق استشراف مستقبل هذه الجراحات، أشار استشاري جراحة المناظير والروبوت إلى أن دمج تقنية الفتحة الواحدة مع الروبوتات الجراحية يوفر دقة فائقة تشبه يد الجراح المثالية ويرفع معدلات الأمان والنجاح. تنخفض مع هذا الدمج مخاطر العدوى والنزيف والفتق، وتسهل عملية إزالة الأنسجة دون الحاجة لتوسيع الجروح، مما يقلل المضاعفات بشكل ملحوظ، خاصة لدى النساء اللواتي يعانين من الوزن الزائد أو ممن لديهن تاريخ جراحي سابق، مما يؤكد أن المملكة تخطو خطوات ثابتة نحو ريادة طبية إقليمية في مجال صحة المرأة.



