الأعشاب العطرية في جازان: تراث يعبق برائحة التاريخ والجمال

تُعد منطقة جازان في جنوب المملكة العربية السعودية واحة غناء تمزج بين سحر الطبيعة وعراقة التاريخ، حيث تُشكل عادة وضع الأعشاب العطرية على الرأس واحدة من أبرز العادات التراثية التي تميز الهوية الجازانية. هذه الممارسة ليست مجرد زينة عابرة، بل هي لغة بصرية وعطرية تعكس عمق الارتباط بين الإنسان وبيئته الخصبة، وتجسد ذوقاً جمالياً أصيلاً توارثته الأجيال عبر القرون.
تنوع نباتي فريد وبيئة حاضنة
منذ القدم، استفاد أهالي المنطقة من التنوع الجغرافي والمناخي الذي تتمتع به جازان، والذي ساعد على نمو مئات الأنواع من النباتات العطرية. وقد اعتاد السكان، نساءً ورجالاً، على تزيين رؤوسهم بنباتات ذات روائح فواحة مثل: (الفل الجازاني الشهير، الكادي، الريحان، البعيثران، والشيح). تُقطف هذه النباتات بعناية من المزارع المحلية وسفوح الجبال، لتتحول إلى رموز للجمال والنقاء، حيث يُطلق على جازان لقب “سلة غذاء المملكة” و”مملكة العطور الطبيعية” نظراً لخصوبة أرضها ووفرة إنتاجها الزراعي.
العصائب.. زينة الرجال في القمم
لا تقتصر هذه العادة على النساء فحسب، بل تشكل جزءاً أصيلاً من هندام الرجل في القطاع الجبلي بمنطقة جازان، وتحديداً في محافظات مثل فيفاء وبني مالك والريث. يرتدي الرجال ما يُعرف بـ “العصائب”، وهي أطواق مصنوعة من النباتات العطرية مثل الشيح والبعيثران، توضع على الرأس بشكل دائري متقن. تُعبر هذه العصائب عن الشموخ والارتباط بالأرض، وكانت قديماً رفيقة الرجل في حله وترحاله، وتُعد اليوم مظهراً احتفالياً بارزاً في الأعياد والمناسبات الوطنية.
طقوس الفرح والهوية الجازانية
تُعد الأعشاب زينة جمالية تُعبّر عن روح المكان، إذ تتفنن النساء في جازان في تنسيق عقود الفل ونظمها بطرق هندسية بديعة مثل “الكبش” و”المقنع”. تحضر هذه الزينة بقوة في المناسبات الاجتماعية والأفراح، حتى غدت رائحتها السمة المميزة لتلك الطقوس الاحتفالية. ويُنظر إلى وضع الأعشاب العطرية بوصفه رمزاً للفرح والترحيب بالضيف، إلى جانب فوائدها النفسية؛ حيث تساهم روائحها الزكية في تهدئة الأعصاب وتنشيط الحواس، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية.
رافد سياحي واقتصادي
رغم مظاهر التطور العمراني والتغير الاجتماعي، ما تزال هذه العادة محافظة على وهجها في وجدان الأهالي، بل تحولت إلى رافد اقتصادي وسياحي هام. تنتشر في أسواق جازان الشعبية متاجر بيع النباتات العطرية التي تشهد إقبالاً كبيراً من الزوار والسياح. وقد أسهمت المهرجانات المتخصصة، مثل “مهرجان الفل والنباتات العطرية”، في تسليط الضوء على هذا الموروث وتعريف العالم به، ليصبح عنصراً بارزاً في الجذب السياحي للمنطقة.
وعندما تفوح رائحة الفل والريحان في أرجاء القرى والمدن الجازانية، يستشعر الزائر عبق التاريخ ودفء الأرض، في مشهدٍ يحكي قصة استدامة التراث الجازاني وشاهداً حياً على جمال الماضي وبهاء الحاضر ضمن فسيفساء الهوية السعودية الأصيلة.



