أخبار العالم

بنما تنهي نفوذ الصين في القناة وتستعيد ميناءين استراتيجيين

في خطوة تحمل دلالات جيوسياسية واقتصادية عميقة، أعلنت السلطات البنمية رسمياً، يوم الاثنين، استعادة سيطرتها الكاملة على ميناءين استراتيجيين يقعان على ضفتي قناة بنما، وذلك تنفيذاً لقرار قضائي أنهى عقود الامتياز الممنوحة لشركة صينية كبرى. ويأتي هذا التحرك في وقت يتصاعد فيه التنافس الدولي حول الممرات المائية الحيوية، مما يضع بنما في قلب التجاذبات بين القوى العظمى.

تفاصيل القرار والسيطرة الميدانية

بدأت هيئة الملاحة البحرية في بنما إجراءات وضع اليد الفعلي على ميناءي "بالبوا" المطل على المحيط الهادئ، و"كريستوبال" المطل على المحيط الأطلسي. وجاء هذا التحرك الحاسم بعد أن أصدرت المحكمة العليا في البلاد حكماً يقضي بعدم دستورية العقد المبرم مع مجموعة "سي كيه هاتشيسون" (CK Hutchison) التي تتخذ من هونج كونج مقراً لها. وقد أكد مدير الموانئ، ماكس فلوريس، في مؤتمر صحفي، أن الدولة تضمن استمرارية العمليات التشغيلية في هذه المرافق الحيوية دون أي توقف قد يضر بحركة التجارة العالمية.

مرحلة انتقالية ودور الشركات العالمية

لضمان سلاسة العمليات، أعلنت الحكومة البنمية عن فترة انتقالية تمتد لـ 18 شهراً. وخلال هذه الفترة، لن تتوقف الرافعات عن العمل، حيث تم تكليف شركة "إيه بي إم ترمينالز" (APM Terminals)، الذراع التشغيلي لمجموعة "ميرسك" الدنماركية العملاقة للشحن البحري، بتولي إدارة الميناءين بشكل مؤقت. وتعتبر هذه الخطوة تمهيداً لطرح مناقصة دولية جديدة ستحدد المشغل المستقبلي للميناءين، مما يفتح الباب أمام تحالفات اقتصادية جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة.

الأبعاد الجيوسياسية: بين واشنطن وبكين

لا يمكن قراءة هذا الحدث بمعزل عن السياق الدولي المتوتر، وتحديداً الصراع التجاري والاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين. لطالما نظرت واشنطن بقلق إلى التواجد الصيني المتنامي حول قناة بنما، التي بنتها الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين وأدارتها حتى عام 1999. وتعتبر القناة شرياناً حيوياً للأمن القومي والاقتصادي الأمريكي، حيث تمر عبرها نسبة ضخمة من البضائع المتجهة من وإلى السواحل الأمريكية.

وقد اكتسبت هذه المخاوف زخماً إضافياً مع التصريحات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة، بما في ذلك تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مناسبات سابقة بضرورة مراجعة الوضع في القناة لمنع الصين من الهيمنة عليها. ويرى مراقبون أن قرار بنما بإنهاء عقد الشركة الصينية قد يكون محاولة لتهدئة المخاوف الأمريكية وتأكيد التزام بنما بالحياد التشغيلي للقناة، خاصة وأن الشركة الصينية كانت قد سعت لبيع أصولها لتحالف تقوده "بلاك روك" الأمريكية في محاولة سابقة لتخفيف الضغوط.

الأهمية الاقتصادية لميناءي بالبوا وكريستوبال

يتمتع الميناءان بأهمية استثنائية في عالم اللوجستيات؛ فهما يقعان عند مدخلي القناة، مما يجعلهما نقطتي ارتكاز رئيسيتين لإعادة شحن الحاويات بين المحيطين الأطلسي والهادئ. إن السيطرة على هذه النقاط لا تعني فقط مكاسب تجارية، بل تعني القدرة على التأثير في سلاسل الإمداد العالمية. ومع دخول الفترة الانتقالية حيز التنفيذ، تترقب الأسواق العالمية هوية المشغل الجديد، في وقت تسعى فيه بنما لتعظيم عوائدها والحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى