عقد العمل سند تنفيذي: حل فوري للرواتب المتأخرة عبر ناجز

في خطوة تعد الأبرز من نوعها في تاريخ تنظيم سوق العمل السعودي، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بالتعاون الاستراتيجي مع وزارة العدل، مبادرة ثورية تهدف إلى حماية حقوق الموظفين وإنهاء معاناة تأخر الرواتب بشكل جذري. وتتمثل هذه المبادرة في منح “عقد العمل الموثق” صفة “السند التنفيذي” الملزم، مما يغير قواعد اللعبة القانونية ويمنح العامل قوة نظامية تتيح له استيفاء مستحقاته المالية المتعثرة فوراً عبر القضاء التنفيذي، متجاوزاً بذلك الإجراءات التقليدية الطويلة لرفع الدعاوى العمالية.
نهاية عصر التقاضي الطويل
لفهم أهمية هذا القرار، يجب النظر إلى السياق التاريخي للنزاعات العمالية؛ ففي السابق، كان الموظف الذي يتأخر راتبه يضطر للدخول في دوامة من الإجراءات تبدأ بمكتب العمل والتسوية الودية، مروراً بالمحاكم العمالية الابتدائية ثم الاستئناف، وهي رحلة قد تستغرق أشهراً طويلة للحصول على حكم نهائي. اليوم، وبفضل هذه المبادرة، تم اختصار هذه الرحلة الشاقة بلمسة زر، حيث أصبح العقد بحد ذاته حكماً واجب النفاذ، مما يعكس تطوراً هائلاً في المنظومة العدلية ويسهم في تخفيف العبء عن المحاكم وتقليص مدد التقاضي.
آلية تقنية متطورة لضمان الحقوق
تعتمد هذه المبادرة على بنية تقنية متطورة تربط بين منصتي “قوى” و”ناجز”، مما يمنح العامل القدرة على التنفيذ المباشر على أموال صاحب العمل وحساباته البنكية في حال تعثره عن السداد. وقد أوضحت الوزارتان أن القوة التنفيذية للعقد لا تقتصر فقط على الراتب الأساسي، بل تمتد لتشمل مظلة واسعة من الحقوق المالية مثل بدل السكن، وبدل النقل، وكافة البدلات النقدية الأخرى المنصوص عليها في العقد، لتصبح جميعها ديناً ممتازاً واجب السداد بقوة النظام.
التكامل مع منصة “مدد” والتحقق الآلي
لضمان الدقة والعدالة، يتم التحقق من استحقاق العامل إلكترونياً عبر الربط مع منصة “مُدد” المسؤولة عن برنامج حماية الأجور. هذه الخطوة تلغي الحاجة لتقديم مستندات ورقية أو إثباتات معقدة، حيث يقوم النظام آلياً برصد عدم تحويل الرواتب. ويشترط للاستفادة من هذه الخدمة أن يكون العقد موثقاً في منصة “قوى” وفق “النموذج الموحد التنفيذي”، وأن يحمل رقم توثيق صادر من وزارة العدل، وهو ما يضمن سلامة الإجراءات القانونية ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
أرقام قياسية وتفاعل واسع
منذ انطلاق المبادرة مطلع أكتوبر 2025م، شهد سوق العمل تفاعلاً قياسياً يعكس حجم الثقة في هذا التحول الرقمي، حيث تجاوز عدد العقود الموثقة بصفتها سندات تنفيذية حاجز 300 ألف عقد. هذا الإقبال الكبير يؤكد رغبة أطراف العمل في بيئة أكثر انضباطاً وشفافية، ويعزز من جاذبية السوق السعودي للكفاءات المحلية والعالمية التي تبحث عن الأمان الوظيفي وضمان الحقوق المالية.
إجراءات المحكمة الافتراضية والمهل النظامية
حددت المبادرة أطراً زمنية دقيقة وحاسمة؛ حيث يحق للعامل اللجوء لمحكمة التنفيذ عبر منصة “ناجز” وتقديم طلب “محكمة افتراضية” بعد مرور 30 يوماً من تأخر الرواتب بالكامل، أو بعد 90 يوماً في حال استلام الأجر منقوصاً. وفي المقابل، ولضمان العدالة، يُمنح صاحب العمل مهلة نظامية تمتد لخمسة أيام من تاريخ قبول الطلب للاعتراض أو السداد قبل البدء في إجراءات التنفيذ الجبري.
تعزيز بيئة الاستثمار ورؤية 2030
تأتي هذه الخطوة كانعكاس مباشر لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في تحسين بيئة الأعمال ورفع كفاءة سوق العمل. فمن خلال ضمان الحقوق وسرعة إنفاذ العقود، ترفع المملكة من تصنيفها في مؤشرات التنافسية العالمية وسهولة ممارسة الأعمال. إن وجود نظام صارم وسريع لحماية الأجور لا يحمي العامل فحسب، بل يحمي أيضاً أصحاب العمل الملتزمين من المنافسة غير العادلة مع المنشآت غير الملتزمة، مما يخلق بيئة استثمارية صحية وجاذبة قائمة على الشفافية وسيادة القانون.



