
التحول الأخضر في السعودية: مبادرات بيئية في ذكرى البيعة
مع حلول ذكرى بيعة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تتجدد الإضاءة على التحول الأخضر في السعودية الذي تشهده المملكة، وذلك بعد إطلاق سلسلة من المبادرات النوعية التي وضعت البيئة والاستدامة في قلب التنمية الوطنية، وفي مقدمتها مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر.
وتعكس هذه المبادرات توجهاً استراتيجياً يربط النمو الاقتصادي بحماية الموارد الطبيعية، في ظل التحديات المناخية المتزايدة، حيث تسعى المملكة إلى خفض الانبعاثات الكربونية، وزيادة الغطاء النباتي، واستعادة التوازن البيئي ضمن رؤية طموحة لمستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.
السياق التاريخي: رؤية 2030 وانطلاق التحول الأخضر
تعود الجذور العميقة لهذا التحول البيئي إلى عام 2016 مع إطلاق رؤية المملكة 2030، التي أسست لمرحلة مفصلية تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط مع الحفاظ على المقدرات البيئية. وفي عام 2021، توجت هذه الرؤية بإطلاق مبادرتي “السعودية الخضراء” و”الشرق الأوسط الأخضر”، لتشكل نقطة تحول تاريخية نقلت المملكة من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي في سياسات المناخ، مما جعلها في مصاف الدول الرائدة عالمياً في مكافحة التغير المناخي.
التأثير المتوقع: أبعاد محلية وإقليمية ودولية
يحمل التحول الأخضر في السعودية أبعاداً استراتيجية متعددة المستويات. على الصعيد المحلي، تسهم هذه المبادرات في تحسين جودة الحياة للمواطنين، وخلق آلاف الوظائف الخضراء، وحماية التنوع البيولوجي الفريد للمملكة. إقليمياً، تقود السعودية جهوداً جبارة لزراعة 50 مليار شجرة في منطقة الشرق الأوسط، مما يعزز التعاون الإقليمي لمواجهة العواصف الرملية والجفاف. أما دولياً، فتؤكد المملكة التزامها الراسخ باتفاقية باريس للمناخ، معلنة عن هدفها الطموح للوصول إلى الحياد الصفري للانبعاثات الكربونية بحلول عام 2060.
جهود التشجير وتأهيل المساحات الواسعة
منذ إطلاق مبادرة السعودية الخضراء، وضعت المملكة أهدافاً بيئية واسعة تشمل زراعة مليارات الأشجار، وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة، وحماية النظم البيئية، إلى جانب تعزيز الاستدامة في القطاعات التنموية المختلفة.

وتسعى مبادرة الشرق الأوسط الأخضر لتوسيع هذه الجهود على المستوى الإقليمي من خلال التعاون مع دول المنطقة، بما يعزز العمل المناخي المشترك ويخفض الانبعاثات الكربونية. وقد انعكس ذلك في برامج واسعة للتشجير واستعادة الغطاء النباتي في مختلف المناطق، ما يسهم في تحسين جودة الهواء، والحد من التصحر، وتعزيز التنوع الحيوي.
تعزيز الاستدامة البيئية والأمن المائي
أكد مدير عام فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة مكة المكرمة، المهندس وليد بن إبراهيم آل دغيس، أن استراتيجيات المملكة في مجالات البيئة والزراعة والمياه تعكس رؤية متكاملة تهدف إلى تعزيز الاستدامة البيئية وتحقيق الأمن المائي والغذائي.
وليد بن ابراهيم آل دغيس
وأوضح أن الإنجازات البيئية والزراعية خلال السنوات الماضية جاءت بدعم مباشر من القيادة، وأسهمت في تعزيز مكانة المملكة على الصعيد الدولي في مجال الاستدامة، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب استمرار التعاون بين الجهات الحكومية والمجتمع لتحقيق الأهداف المنشودة.
الاستثمار في البيئة والإنسان
وأشار نائب مدير مركز التميز البحثي للدراسات البيئية، الدكتور أحمد صمّان، إلى أن المبادرات البيئية أسست لمرحلة جديدة من العمل المنظم، حيث أسهمت برامج التشجير في زراعة ملايين الأشجار والنباتات المحلية، وهو ما يساعد في استعادة التوازن البيئي والحد من آثار التصحر.
وأضاف أن المملكة استطاعت من خلال هذه المبادرات إطلاق برامج لإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وزيادة المساحات الخضراء، ما يعزز قدرة البيئة على مواجهة التغير المناخي، مؤكداً أن النهج المتبع يجمع بين الحلول البيئية والتنموية لتحقيق توازن مستدام بين التنمية وحماية البيئة.
تحولات بيئية فارقة ومسارات تنموية مستمرة
أشاد الخبير البيئي، الدكتور سامي محمد البريه، بالتحولات البيئية التي تشهدها المملكة، مؤكداً أن المملكة أصبحت رائدة إقليمياً في قيادة العمل البيئي، حيث انتقلت من المعالجة التقليدية للتحديات إلى الابتكار في إدارة الموارد الطبيعية.
سامي محمد البريه
ولفت إلى أن المبادرتين الرئيسيتين تمثلان خارطة طريق لمواجهة التغير المناخي والتصحر، وتعزز الأمن الغذائي عبر رفع كفاءة استخدام المياه وإعادة تأهيل الأراضي والمراعي، وزيادة الغطاء النباتي لتقليل الانبعاثات الكربونية.
من جانبها، أكدت الدكتورة زهراء الصفار أن ذكرى البيعة تمثل محطة وطنية لاستحضار مسيرة التحول، حيث أصبحت الاستدامة نهجاً راسخاً يوازن بين النمو الاقتصادي ورفاه الإنسان وحماية البيئة.
زهراء الصفار
وأوضحت أن المملكة تقدم نموذجاً رائداً إقليمياً ودولياً من خلال المشاركة الفاعلة في المبادرات والاتفاقيات البيئية العالمية، مؤكدة أن الجامعات، وخصوصاً جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، تلعب دوراً محورياً في دمج الاستدامة في التعليم والبحث العلمي وتطوير تقنيات خفض الانبعاثات وتعزيز الطاقة النظيفة وحماية النظم البيئية.
وأضافت أن التكامل بين الرؤية الوطنية، والدعم المؤسسي، ودور الجامعات البحثي يعزز قدرة المملكة على تحقيق تنمية مستدامة تحفظ الثروات الطبيعية وتدعم رفاه المجتمع، وترسخ مكانتها نموذجاً عالمياً لمستقبل أكثر توازناً وازدهاراً للإنسان والبيئة.


