اقتصاد

توقعات أسعار الذهب: هل يعود للارتفاع بعد الهبوط الحاد؟

مقدمة: الذهب في مواجهة تقلبات السوق

على الرغم من الهبوط الحاد الذي دفع أسعار الذهب رسمياً إلى الدخول في منطقة السوق الهابطة، لا يزال عدد كبير من المحللين الماليين والاستراتيجيين متمسكين بتوقعاتهم الإيجابية طويلة الأجل. وتشير هذه التوقعات إلى أن أسعار المعدن الأصفر تتجه نحو تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة في المستقبل القريب، متجاوزة الكبوات الحالية التي يراها الخبراء مجرد تصحيح مؤقت وفرصة لإعادة التمركز.

وفي تفاصيل التداولات الأخيرة، واصل الذهب تسجيل خسائره، حيث تراجع السعر الفوري بما يصل إلى 2% قبل أن يقلص جزءاً من هذه الخسائر ليستقر منخفضاً بنحو 1.5% عند مستوى 4,335.97 دولار للأوقية. بالتوازي مع ذلك، هبطت العقود الآجلة للذهب بحوالي 2% لتصل إلى 4,317.80 دولار. ولم تقتصر التراجعات على الذهب فحسب، بل امتدت لتشمل الفضة أيضاً. ووفقاً لتقارير شبكة «CNBC» التي اطلعت عليها «العربية Business»، أصبح المعدن الأصفر منخفضاً بنحو 21% مقارنة بذروته القياسية المسجلة في أواخر شهر يناير الماضي عند 5,594.82 دولار، ليغرق رسمياً في ما يُعرف اقتصادياً بـ “السوق الهابطة”.

السياق التاريخي: الذهب كملاذ آمن عبر العصور

تاريخياً، لطالما اعتُبر الذهب الملاذ الآمن الأبرز للمستثمرين خلال أوقات الأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية. ففي فترات التضخم المرتفع أو الحروب، تتجه رؤوس الأموال للبحث عن أصول تحافظ على قيمتها الشرائية، وهو الدور الذي لعبه الذهب بامتياز خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كورونا. إن العلاقة العكسية بين الذهب والدولار الأمريكي، بالإضافة إلى تأثير أسعار الفائدة، تجعل من المعدن النفيس أداة تحوط استراتيجية لا غنى عنها في أي محفظة استثمارية متوازنة، وهو ما يفسر التمسك به رغم التراجعات الحالية.

تشوهات قصيرة الأجل أم تغيير جذري؟

يرى العديد من الاستراتيجيين أن التراجع الحالي في توقعات أسعار الذهب ليس أكثر من “تشوهات قصيرة الأجل” في السوق، ولا يعكس بأي حال من الأحوال تغييراً في العوامل الأساسية الداعمة للمعدن. فالمخاطر الجيوسياسية المتواصلة، لا سيما التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وارتفاع وتيرة شراء البنوك المركزية للذهب، واحتمالات ضعف الدولار الأمريكي، كلها عناصر قوية تدعم بقاء الذهب في مسار صاعد على المدى الطويل.

توقعات الخبراء: نقاط دخول جذابة للمستثمرين

في هذا السياق، صرح إد يارديني، رئيس إحدى الشركات المالية المتخصصة، في رسالة إلى «CNBC» قائلاً: «ما زلنا نرى الذهب عند مستوى 10 آلاف دولار بحلول نهاية العقد الحالي». ورغم أنه قام بخفض توقعاته لنهاية العام الجاري من 6,000 إلى 5,000 دولار للأوقية، إلا أن هذا المستوى المستهدف لا يزال أعلى بنحو 15% من الأسعار الحالية المتداولة.

من جانبه، أشار استراتيجي الاستثمار جاستن لين إلى أنه ما يزال يتوقع وصول الذهب إلى 6,000 دولار للأوقية بنهاية العام، واصفاً التراجع الأخير بأنه «نقطة دخول جذابة للمستثمرين». وأوضح لين أن عمليات البيع الحالية تبدو مدفوعة بمزيج من حساسية السوق لارتفاع أسعار الفائدة، وإعادة موازنة المحافظ الاستثمارية وسط ضعف أداء الأسهم، بالإضافة إلى قدر من التراخي في تقدير مخاطر استمرار الصراع في إيران والمنطقة.

العوامل الهيكلية وتأثير البنوك المركزية

أكد لين أن موقفه الصعودي لا يعتمد فقط على “علاوة مخاطر الحرب”، بل يستند إلى مزيج معقد من عدم اليقين الجيوسياسي المستمر، والطلب القوي من البنوك المركزية، وتدفقات المستثمرين الآسيويين الكبيرة على صناديق الذهب المتداولة (ETFs).

وفي سياق متصل، بيّن راجات باتاشاريا، كبير استراتيجيي الاستثمار لدى بنك «ستاندرد تشارترد»، أن مصرفه لا يزال متفائلاً بشدة بشأن مستقبل الذهب على المدى الطويل. ويُعزى هذا التفاؤل إلى العوامل الهيكلية القوية، وأبرزها زيادة الطلب من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة التي تسعى لتقليل اعتمادها على الدولار وتنويع احتياطياتها، ورغبة المستثمرين المؤسسيين في حماية محافظهم في ظل تصاعد المخاطر العالمية.

وتوقع باتاشاريا أن يستعيد الذهب زخمه الإيجابي ليرتفع نحو مستوى 5,375 دولاراً للأوقية خلال الأشهر الثلاثة القادمة، وذلك بمجرد انتهاء مرحلة خفض المديونية الحالية في الأسواق، مع الإشارة إلى وجود مستويات دعم فنية قوية ومهمة حول حاجز 4,100 دولار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى