محادثات تايلاند وكمبوديا: مساعٍ لإنهاء النزاع الحدودي الدامي

أعلنت السلطات الكمبودية، اليوم الأربعاء، عن بدء جولة جديدة من المحادثات الرسمية مع الجانب التايلاندي، من المقرر أن تستمر لمدة أربعة أيام، بهدف وضع حد للمواجهات العسكرية المتصاعدة على الحدود بين البلدين. ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي في محاولة لاحتواء الأزمة التي تسببت في خسائر بشرية ومادية جسيمة خلال الأسابيع الماضية.
ويُعقد الاجتماع الحالي عند معبر حدودي في مقاطعة "تشانثابوري" التايلاندية. وكانت الحكومة الكمبودية في "بنوم بنه" قد طالبت سابقاً بعقد اللقاء في منطقة محايدة لضمان سير المفاوضات، إلا أن الحكومة التايلاندية تمسكت بموقفها الرافض لذلك. وتأكيداً لبدء الحوار، نشرت الحكومة الكمبودية صورة رسمية تظهر وفدي البلدين وهما يشرعان في المحادثات، مما يعكس رغبة مبدئية في التوصل لحل.
جهود دبلوماسية وسط توتر ميداني
صرحت كمبوديا بأن الهدف الرئيسي من هذه المحادثات هو "ضمان وقف فوري وشامل للأعمال العدائية، واستعادة الاستقرار الأمني، وتسهيل العودة السريعة للأوضاع الطبيعية" في المناطق الحدودية المتنازع عليها. وفي المقابل، أعرب المتحدث باسم وزارة الدفاع التايلاندية، سوراسانت كونغسيري، في تصريحات للصحفيين في بانكوك عن أمله في نجاح المفاوضات، قائلاً: "آمل بصدق أن يسفر هذا الاجتماع عن نتائج إيجابية"، مشدداً في الوقت ذاته على أن "نجاح الأمر يعتمد كلياً على صدق كمبوديا، قولاً وفعلاً".
وعلى الرغم من استمرار تبادل إطلاق النار المتقطع عبر الحدود، أبدت وزارة الداخلية الكمبودية تفاؤلاً حذراً هذا الأسبوع بشأن جدية تايلاند في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة بعد تعثر الاتفاق السابق الذي تم توقيعه في نهاية أكتوبر في كوالالمبور برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي علقته بانكوك لاحقاً إثر حادثة انفجار لغم أدت لإصابة جنود تايلانديين.
الجذور التاريخية للنزاع الحدودي
لفهم عمق الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي المعقد للحدود بين المملكتين. يعود أصل النزاع إلى الخرائط التي رسمت خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية في الهند الصينية مطلع القرن العشرين، والتي خلفت مناطق رمادية وتداخلات في السيادة لم يتم حسمها بشكل نهائي. وتتمحور الخلافات بشكل أساسي حول السيادة على مناطق تضم معابد أثرية تعود لإمبراطورية الخمير، وأشهرها معبد "برياه فيهير"، حيث تمتد الحدود المشتركة لنحو 800 كيلومتر دون ترسيم دقيق في بعض القطاعات.
وقد شهدت العلاقات بين البلدين توترات تاريخية متكررة، حيث لجأ الطرفان في مناسبات سابقة إلى محكمة العدل الدولية للفصل في ملكية المناطق المحيطة بالمعابد، إلا أن التوترات الميدانية غالباً ما تعود للواجهة بسبب الحساسيات القومية والسياسية الداخلية في كلا البلدين.
التداعيات الإنسانية والإقليمية
لا تقتصر آثار هذا النزاع على الجانب العسكري والسياسي فحسب، بل تمتد لتشكل أزمة إنسانية واقتصادية مقلقة. فبحسب الإحصائيات الرسمية الواردة من الطرفين، أسفر تجدد القتال منذ 7 ديسمبر عن مقتل ما لا يقل عن 44 شخصاً (23 من تايلاند و21 من كمبوديا). والأكثر خطورة هو حجم النزوح الهائل، حيث تسببت الاشتباكات في نزوح أكثر من 900 ألف شخص من القرى والبلدات الواقعة على جانبي الحدود، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المحلية ومنظمات الإغاثة.
إقليمياً، يلقي هذا النزاع بظلاله على استقرار رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، حيث يؤثر استمرار الأعمال العدائية على حركة التجارة البينية والسياحة، ويعيق مشاريع التنمية المشتركة في المنطقة، مما يجعل نجاح هذه المحادثات ضرورة ملحة ليس فقط للبلدين، بل للمنطقة بأسرها.



