
أسعار الغاز الطبيعي الأمريكي تهبط لأدنى مستوى في 17 شهراً
مقدمة: هبوط حاد في أسواق الطاقة
شهدت أسواق الطاقة العالمية تطوراً بارزاً مع تراجع عقود الغاز الطبيعي الأمريكية الآجلة في أحدث جلساتها التداولية لتسجل أدنى مستوياتها منذ 17 شهراً. جاء هذا الانخفاض الملحوظ مدفوعاً بتوقعات الأرصاد الجوية التي تشير إلى اعتدال درجات الحرارة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في الطلب على التدفئة. هذا المناخ المعتدل أتاح لشركات المرافق العامة فرصة ذهبية للاستمرار في ضخ كميات ضخمة من الغاز إلى المخزونات الاستراتيجية بمعدلات تفوق المستويات المعتادة لفترات طويلة.
السياق التاريخي لأسواق الغاز الأمريكية
لفهم هذا التراجع، يجب النظر إلى السياق التاريخي القريب. ففي عام 2022، شهدت أسعار الغاز الطبيعي عالمياً ارتفاعات قياسية إثر اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية، مما دفع الولايات المتحدة إلى تعزيز إنتاجها بشكل غير مسبوق لتلبية الطلب الأوروبي المتزايد وتعويض نقص الإمدادات الروسية. ونتيجة لذلك، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال (LNG) في العالم. ومع استمرار هذا الإنتاج الضخم وتزامنه حالياً مع طقس ربيعي معتدل، حدث فائض كبير في المعروض المحلي أدى إلى الضغط على الأسعار ودفعها نحو الانخفاض المستمر.
تفاصيل الخسائر وحركة المؤشرات
بلغة الأرقام، انخفضت العقود الآجلة للغاز تسليم شهر مايو القادم في بورصة نيويورك التجارية بنحو 2.2 سنت، أي ما يعادل 0.8%، لتستقر عند 2.648 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وعلى مدار الأسبوع، تكبد العقد خسائر بلغت حوالي 5%، لتضاف إلى تراجع قارب 10% في الأسبوع الذي سبقه. وبقي عقد أقرب شهر استحقاق في حالة ذروة البيع لليوم الثاني على التوالي.
أزمة حوض بيرميان والأسعار السلبية
من أبرز الظواهر المصاحبة لهذا الحدث هو ما يشهده مركز “واها” (Waha) في غرب تكساس، حيث واصل متوسط الأسعار تسجيل مستويات سلبية لليوم الخامس والأربعين على التوالي. تُعد هذه أطول فترة سلبية على الإطلاق في تاريخ المركز. يعود السبب الرئيسي في ذلك إلى القيود الخانقة في سعة خطوط الأنابيب، والتي تتسبب في احتجاز الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط داخل حوض بيرميان، الذي يُصنف كأكبر منطقة صخرية منتجة للنفط في الولايات المتحدة، مما يجبر المنتجين أحياناً على الدفع للتخلص من الغاز.
طفرة الإنتاج وارتفاع المخزونات
أشارت بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن متوسط إنتاج الغاز في الولايات الثماني والأربعين السفلى قد ارتفع ليصل إلى 111 مليار قدم مكعب يومياً منذ بداية الشهر الجاري، مقارنة بـ 110.4 مليار قدم مكعب في شهر مارس الماضي. هذا الإنتاج الضخم، مقترناً بالطقس الربيعي المعتدل، سمح لشركات الطاقة بضخ كميات استثنائية في المخازن. وقد أكد المحللون أن المخزونات ارتفعت لتصل إلى 5.3% فوق المستويات الطبيعية خلال الأسبوع المنتهي في 10 أبريل، مقارنة بـ 4.8% في الأسبوع الذي سبقه.
التأثيرات المتوقعة محلياً وعالمياً
على الصعيد المحلي الأمريكي، يُتوقع أن ينعكس هذا الانخفاض إيجاباً على المستهلكين من خلال خفض فواتير الكهرباء والتدفئة، فضلاً عن تقليل تكاليف التشغيل للمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن انخفاض أسعار الغاز الأمريكي يعزز من تنافسية صادرات الغاز الطبيعي المسال (LNG) الأمريكية في الأسواق العالمية، خاصة في أوروبا وآسيا. هذا الأمر يساهم في استقرار أسعار الطاقة العالمية ويدعم أمن الطاقة للدول المستوردة التي تعتمد بشكل متزايد على الإمدادات الأمريكية الموثوقة.



