سياحة و سفر

تفعيل مسار الحج التاريخي في جدة التاريخية: تفاصيل الرحلة

في خطوة نوعية تهدف إلى إحياء الذاكرة المكانية وتعزيز التجربة الروحية والثقافية للحجاج، أطلقت وزارة الثقافة أولى مراحل تفعيل “مسار الحج التاريخي” في منطقة جدة التاريخية (البلد). وقد استقبلت المنطقة وفوداً من ضيوف الرحمن لخوض تجربة فريدة تحاكي رحلة الحجيج عبر العصور، حيث كانت جدة ولا تزال البوابة الرئيسية لقاصدي مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.

جدة.. بوابة الحرمين عبر التاريخ

تكتسب هذه المبادرة أهميتها من العمق التاريخي لمدينة جدة، التي اختارها الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- في عام 26 هـ لتكون ميناءً لمكة المكرمة. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت جدة بوجدان الحجاج القادمين عبر البحر، حيث كانت أزقتها ومبانيها الشاهقة المزينة بالرواشين هي المشهد الأول الذي يعانق نواظرهم بعد مشقة السفر، مما جعلها بوتقة انصهرت فيها ثقافات العالم الإسلامي.

ويأتي تفعيل المسار ليؤكد على القيمة العالمية لجدة التاريخية، المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، بوصفها متحفاً مفتوحاً يحكي قصص التسامح والتبادل الثقافي والتجاري الذي رافق مواسم الحج لمئات السنين.

تفاصيل الرحلة: من البحر إلى المحراب

صُمم “مسار الحج التاريخي” ليقدم تجربة سياحية وثقافية متكاملة تربط الزائر بقيم المكان. تبدأ الرحلة، كما كان الحال قديماً، من باب البنط، وهو أحد بوابات سور جدة القديم الذي كان يطل مباشرة على الميناء، حيث كانت ترسو السفن وتفرغ حمولتها من الحجاج والبضائع.

ويمر المسار بمحطات بارزة تعكس الطراز المعماري الحجازي الفريد، بدءاً من متحف البحر الأحمر الذي افتتح مؤخراً، والذي يقدم عبر معروضات تفاعلية سرداً لقصص الملاحة ورحلات الحج البحرية. وتستمر الجولة لتشمل معالم أثرية هامة مثل:

  • موقع الشونة الأثري: الذي كان يستخدم كمخزن للحبوب والبضائع في العصور السابقة.
  • المساجد التاريخية: وتشمل مسجد عثمان بن عفان، ومسجد المعمار، ومسجد المغربي، وهي مساجد شهدت صلوات ودعوات ملايين الحجاج عبر القرون.
  • البيوت التراثية والأسواق: يمر الزوار ببيت نور ولي، وبيت نصيف (الذي نزل فيه الملك عبدالعزيز عند دخوله جدة)، وسوق العلوي الذي يضج بالحياة، قبل أن تختتم الرحلة عند باب مكة، البوابة الشرقية التي كان يخرج منها الحجاج قديماً سيرًا أو على الدواب نحو المشاعر المقدسة.
جدة التاريخية تشهد أولى مراحل تفعيل مسار الحج التاريخي

إثراء تجربة الحاج ضمن رؤية 2030

لا يقتصر هذا المشروع على الجانب السياحي فحسب، بل يصب في قلب مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتحديداً “برنامج خدمة ضيوف الرحمن”. تهدف هذه الجهود إلى تحويل رحلة الحج والعمرة من مجرد شعيرة دينية إلى تجربة ثقافية وحضارية متكاملة، تتيح للزوار التعرف على التراث السعودي الأصيل.

وتسعى وزارة الثقافة من خلال هذه المبادرات إلى العناية بالمواقع التاريخية وتقديمها بروح معاصرة، مما يعزز من مكانة المملكة كوجهة سياحية وثقافية عالمية، ويحفظ الإرث الإنساني العظيم لطرق الحج التي شكلت شريان الحياة لمدينة جدة عبر التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى