
أمريكا تربط عودة مصارف السودان بإنهاء الحرب وتشكيل حكومة مدنية
رفضت وزارة الخزانة الأمريكية طلبًا قدمته السلطات السودانية في بورتسودان لإعادة دمج النظام المصرفي السوداني في النظام المالي العالمي، في خطوة تعكس الموقف الدولي الصارم تجاه الأطراف المتحاربة في السودان. وقد ربطت واشنطن هذه العودة بتحقيق شروط سياسية وأمنية أساسية، على رأسها إنهاء الحرب الدائرة وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية.
خلفية تاريخية من العزلة والأمل
يأتي هذا الرفض في سياق علاقة معقدة بين السودان والمجتمع المالي الدولي. لعقود طويلة، عانى السودان من عزلة شبه تامة بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي فُرضت عليه منذ تسعينيات القرن الماضي خلال فترة حكم نظام عمر البشير، الذي أُدرج على قائمة الدول الراعية للإرهاب. وشكلت هذه العقوبات عائقًا هائلاً أمام التنمية الاقتصادية، حيث حرمت البلاد من الوصول إلى التمويل الدولي والاستثمارات الأجنبية وأعاقت التحويلات المالية الأساسية.
بعد ثورة ديسمبر 2018 التي أطاحت بالبشير، شهد السودان انفتاحًا تدريجيًا، وبلغ ذروته في ديسمبر 2020 عندما رفعت الولايات المتحدة اسم السودان رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. فتح هذا القرار الباب أمام أمل كبير بإعادة دمج الاقتصاد السوداني في العالم، وبدأت البلاد خطوات جادة نحو الحصول على إعفاء من ديونها الضخمة عبر مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC). لكن الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، ومن ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بددا هذه الآمال وأعادا البلاد إلى نقطة الصفر، مع تجميد المساعدات الدولية وبرامج إعفاء الديون.
شروط واشنطن وتفاصيل الرفض
وفقًا لمصادر مطلعة، فإن نائب مدير شؤون أفريقيا بوزارة الخزانة الأمريكية، باتريك ستيوارت، هو من أبلغ الجانب السوداني بالرفض خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن. وكانت محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، قد قدمت الطلب، محاولةً إقناع المسؤولين الأمريكيين بالإصلاحات المالية التي اتخذتها السلطات في بورتسودان رغم ظروف الحرب. إلا أن الموقف الأمريكي كان واضحًا، حيث وضع ستيوارت ثلاثة شروط أساسية لا يمكن التنازل عنها: إنهاء الحرب، تحقيق سلام شامل، وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة مدنية تحظى بقبول الشعب السوداني والمجتمع الدولي.
الأثر الاقتصادي والإنساني للعزلة المستمرة
إن استمرار عزل النظام المصرفي السوداني يفاقم من الأزمة الاقتصادية والإنسانية الطاحنة في البلاد. فهو يعيق بشكل مباشر وصول المساعدات الإنسانية الدولية، ويصعّب على المنظمات الإغاثية العمل داخل السودان. كما أنه يمنع السودانيين في الخارج من إرسال التحويلات المالية الحيوية لأسرهم، والتي تشكل شريان حياة لملايين المواطنين. على المستوى الاقتصادي الكلي، يؤدي هذا الوضع إلى شلل في التجارة الخارجية، وارتفاع معدلات التضخم، وتدهور قيمة العملة المحلية، مما يزيد من معاناة المواطنين اليومية.
أبعاد جيوسياسية وقضية الأسلحة الإيرانية
تزامن هذا الرفض مع تطورات أخرى زادت من تعقيد الموقف، حيث أعلن مكتب المدعي العام في ولاية كاليفورنيا الأمريكية عن توقيف مواطنة إيرانية تحمل إقامة دائمة بتهم تتعلق بالتوسط في صفقة أسلحة (طائرات مسيرة وقنابل وذخائر) يُشتبه في ارتباطها بالجيش السوداني. هذه القضية تعزز المخاوف الأمريكية والدولية من طبيعة التحالفات الخارجية لأطراف النزاع في السودان، وتضيف بعدًا جيوسياسيًا للضغوط المالية المفروضة، حيث تسعى واشنطن لمنع تحول السودان إلى ساحة للصراعات الإقليمية بالوكالة.



