اقتصاد

عودة الصين للفحم: هل يهدد أمن الطاقة العالمي أهداف المناخ؟

في خطوة تعكس الأولويات الاستراتيجية المتغيرة في مواجهة أزمة الطاقة العالمية، تبدو الحكومة الصينية عازمة على العودة إلى الفحم كمصدر طاقة موثوق لتعزيز أمنها القومي، وذلك لمواجهة تراجع إمدادات الوقود والارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي. يأتي هذا التوجه في مفارقة واضحة مع التزاماتها المناخية الطموحة، مما يثير تساؤلات حول قدرة أكبر مستهلك للطاقة في العالم على الموازنة بين التنمية الاقتصادية والمسؤولية البيئية.

السياق التاريخي: الفحم عماد الصناعة الصينية

لطالما كان الفحم، أو “الذهب الأسود”، حجر الزاوية في المعجزة الاقتصادية الصينية على مدى العقود الماضية، حيث غذّى مصانعها ومدنها المتوسعة. ومع ذلك، جاء هذا النمو بتكلفة بيئية باهظة، تمثلت في تلوث الهواء الشديد الذي خيم على المدن الكبرى. استجابةً لذلك، أعلنت بكين في عام 2014 “حربًا على التلوث”، وبدأت في تقييد استخدام الفحم وإغلاق المناجم والمحطات القديمة، والتحول بقوة نحو مصادر أنظف مثل الغاز الطبيعي والطاقة المتجددة. لكن تقلبات أسواق الطاقة العالمية الأخيرة، التي تفاقمت بسبب التوترات الجيوسياسية، دفعت بكين إلى إعادة تقييم استراتيجيتها، مع إعطاء الأولوية القصوى لاستقرار إمدادات الطاقة.

إحياء المشاريع العملاقة

تجسيدًا لهذا التحول، استأنفت شركة الكهرباء الحكومية الصينية العمل على مشروعها العملاق لتحويل الفحم إلى غاز، والذي تبلغ تكلفته 3.7 مليار دولار. كان المشروع قد توقف في عام 2014 بسبب تحديات لوجستية وبيئية، لكن من المخطط الآن أن يبدأ تشغيله في أكتوبر القادم. بالإضافة إلى ذلك، تمتلك الصين حاليًا 13 مشروعًا جديدًا مرتبطًا بالفحم، إما قيد الإنشاء أو في مرحلة التخطيط المتقدمة. من المتوقع أن يستغرق تنفيذ هذه المشاريع حوالي خمس سنوات، وأن تساهم في زيادة إنتاج الغاز الصناعي بنحو سبعة أضعاف، ليصل إلى أكثر من 52 مليار متر مكعب سنويًا، وهو ما يعادل حوالي 12% من إجمالي الإمدادات الوطنية.

التأثير على الأسعار المحلية والعالمية

يأتي هذا التوجه نحو الفحم بالتزامن مع إجراءات حكومية لمواجهة ارتفاع أسعار النفط العالمية. فقد رفعت الصين مؤخرًا أسعار البنزين والديزل في السوق المحلية، في خطوة تأثرت باضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز واستمرار الصراع في الشرق الأوسط. وأعلنت هيئة التخطيط الحكومية الصينية (لجنة التنمية والإصلاح الوطنية) عن رفع الحد الأقصى لأسعار التجزئة للبنزين بمقدار 420 يوانًا (61.11 دولارًا) للطن المتري، وللديزل بمقدار 400 يوان (58.20 دولارًا) للطن. وأكدت اللجنة أن الحكومة ستواصل تطبيق تدابير للسيطرة على أسعار النفط المكرر للتخفيف من تأثير التقلبات العالمية على السوق المحلية.

تداعيات دولية ومعضلة المناخ

إن عودة الصين المكثفة إلى الفحم لها تداعيات تتجاوز حدودها. فعلى الصعيد الدولي، تثير هذه الخطوة قلقًا بالغًا بشأن مستقبل الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ. وبصفتها أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم، فإن قرارات الصين في مجال الطاقة تؤثر بشكل مباشر على قدرة العالم على تحقيق أهداف اتفاقية باريس. وبينما تواصل الصين ريادتها العالمية في الاستثمار بقطاع الطاقة المتجددة، فإن اعتمادها المتزايد على الفحم يرسل إشارة متضاربة، ويضع أمن الطاقة الفوري في مواجهة مباشرة مع التزاماتها البيئية طويلة الأجل، بما في ذلك هدفها المعلن لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2060.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى