
جهود الوساطة الباكستانية بين إيران وأمريكا.. زيارة عراقجي
في خطوة دبلوماسية لافتة، وصل نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية، عباس عراقجي، إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم الأحد، في زيارة هي الثانية له خلال عطلة نهاية الأسبوع. تأتي هذه الزيارة المكثفة بعد محطة قصيرة له في مسقط، حيث التقى السلطان هيثم بن طارق، مما يبرز حجم الجهود المبذولة لخفض التصعيد في منطقة تشهد توترات متصاعدة، خصوصًا بين طهران وواشنطن.
خلفية التوتر والوساطة الباكستانية
تأتي هذه التحركات الدبلوماسية في سياق مرحلة معقدة من العلاقات الدولية، وتحديدًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وما تلاه من فرض سياسة “الضغوط القصوى” على طهران. هذه السياسة أدت إلى تدهور اقتصادي حاد في إيران وزيادة التوترات العسكرية في منطقة الخليج، بما في ذلك حوادث استهداف ناقلات النفط ومنشآت حيوية، مما دفع المنطقة إلى حافة مواجهة عسكرية مباشرة في أكثر من مناسبة.
في هذا المشهد المشحون، برز دور باكستان كوسيط محتمل. فبحكم جوارها الجغرافي الطويل مع إيران، وعلاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، تجد إسلام آباد نفسها في موقع فريد يتيح لها لعب دور في تقريب وجهات النظر. إن أي صراع عسكري في جوارها المباشر سيمثل تهديدًا خطيرًا لأمنها القومي واستقرارها الاقتصادي، وهو ما يفسر حرص القيادة الباكستانية على بذل مساعي حثيثة لمنع الانزلاق نحو الحرب.
أهمية الزيارة وتأثيرها المحتمل
تكتسب زيارة عراقجي، وهو أحد كبار المفاوضين الإيرانيين وصاحب خبرة واسعة في الملف النووي، أهمية خاصة. فهي لا تمثل فقط استجابة للمبادرة الباكستانية، بل تعكس أيضًا رغبة إيرانية في استكشاف كافة القنوات الدبلوماسية الممكنة لتخفيف الضغوط المفروضة عليها. المحادثات في إسلام آباد من المتوقع أن تركز على نقل رسائل وتوضيح مواقف بين الطرفين الإيراني والأمريكي، حيث يمكن لباكستان أن تلعب دور “قناة خلفية” موثوقة.
على الصعيد الإقليمي، يمكن لنجاح هذه الوساطة أن يساهم في خفض منسوب التوتر في الخليج، ويفتح الباب أمام حوار أوسع يشمل القوى الإقليمية الأخرى. أما دوليًا، فإن أي تقدم يتم إحرازه سيُنظر إليه كنموذج للدبلوماسية الوقائية التي تقودها دول إقليمية، مما قد يشجع على حلول مماثلة في أزمات أخرى. ومع ذلك، يظل نجاح هذه الجهود مرهونًا بمدى جدية الأطراف الرئيسية، وتحديدًا واشنطن وطهران، في تقديم تنازلات حقيقية لتجنب المواجهة.



