
تأثير الحرب على إيران على معيشة واقتصاد اليمن المنهار
في ظل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتردية التي يعيشها اليمن منذ ما يقرب من عقد من الزمان، يبرز شبح أي صراع إقليمي جديد كتهديد وجودي لملايين السكان الذين يعانون بالفعل من ويلات الحرب الأهلية. إن أي تصعيد عسكري محتمل يستهدف إيران لا يمكن النظر إليه كحدث جيوسياسي بعيد، بل كعامل مباشر سيلقي بظلاله القاتمة على حياة اليمنيين اليومية، مفاقماً من أزمة هي الأسوأ في العالم.
خلفية الأزمة: اليمن على حافة الهاوية
لفهم حجم التأثير المتوقع، لا بد من استيعاب السياق اليمني الحالي. منذ اندلاع الحرب في عام 2014، انهار الاقتصاد اليمني بشكل شبه كامل. فقدت العملة المحلية (الريال اليمني) أكثر من 80% من قيمتها، مما أدى إلى تضخم جامح قضى على القوة الشرائية للمواطنين. يعتمد أكثر من 24 مليون يمني، أي حوالي 80% من السكان، على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة. كما أن البنية التحتية للبلاد، من مستشفيات ومدارس وشبكات مياه وكهرباء، قد دُمرت بشكل ممنهج، مما جعل البلاد تعتمد بشكل كلي على الواردات لتأمين احتياجاتها الأساسية من غذاء ودواء ووقود.
التأثيرات الاقتصادية المباشرة للصراع الإقليمي
أي مواجهة عسكرية في المنطقة، خاصة إذا شملت إيران، ستؤدي حتماً إلى اضطراب في ممرات الشحن العالمية الحيوية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب، الذي يقع اليمن على ضفته الشرقية. هذا الاضطراب سيترجم إلى عدة تأثيرات كارثية على اليمن:
- ارتفاع أسعار الوقود والغذاء: يعتمد اليمن على استيراد كافة احتياجاته من المشتقات النفطية وأكثر من 90% من احتياجاته الغذائية. أي تهديد لخطوط الملاحة سيرفع تكاليف التأمين والشحن بشكل جنوني، مما سينعكس مباشرة على أسعار الوقود والغذاء في السوق المحلية، ويجعلها بعيدة عن متناول أغلبية السكان.
- انهيار إضافي للعملة: ستؤدي حالة عدم اليقين الإقليمية إلى هروب رؤوس الأموال والضغط على العملات الضعيفة مثل الريال اليمني. هذا يعني موجة جديدة من انخفاض قيمة العملة، وبالتالي حلقة مفرغة من التضخم الذي سيمحو ما تبقى من مدخرات المواطنين.
- تراجع المساعدات الإنسانية: سيؤدي اندلاع صراع إقليمي واسع النطاق إلى تحويل انتباه المجتمع الدولي وموارده المالية والإغاثية بعيداً عن الأزمة اليمنية. المنظمات الإنسانية التي تعاني أصلاً من فجوات تمويلية كبيرة ستجد صعوبة أكبر في تأمين الدعم اللازم لعملياتها، مما يهدد حياة الملايين المعتمدين على هذه المساعدات.
تداعيات سياسية وأمنية محتملة
على الصعيد السياسي، قد يؤدي أي صراع مع إيران إلى تعقيد المشهد اليمني الهش. يمكن أن يشجع التصعيد الأطراف المحلية المتحاربة على التخلي عن جهود السلام الهشة والعودة إلى مربع العنف، أملاً في تحقيق مكاسب على الأرض في ظل الفوضى الإقليمية. من هذا المنطلق، فإن الحرب على إيران لن تكون مجرد أزمة اقتصادية إضافية لليمن، بل قد تكون المسمار الأخير في نعش أي أمل بالاستقرار والسلام، مما يغرق البلاد في دوامة أعمق من المعاناة التي طال أمدها.



