
دعوى تلاعب بالأسواق ضد دويتشه بنك في لندن
نفى “دويتشه بنك”، أحد أكبر البنوك الاستثمارية في العالم، اتهامات خطيرة موجهة إليه في دعوى قضائية أقامها متداول سابق، زعم فيها أن البنك قام بتدريب موظفيه على استخدام استراتيجيات تداول غير قانونية للتلاعب بالأسواق المالية. وتأتي هذه القضية لتسلط الضوء مجدداً على التحديات التي تواجه المؤسسات المالية الكبرى في الحفاظ على الامتثال والشفافية.
تفاصيل الدعوى والاتهامات
رفع المتداول السابق في السلع، جيمس فورلي، دعوى قضائية أمام المحكمة العليا في لندن، يطالب فيها بتعويضات تصل إلى 12 مليون جنيه إسترليني (حوالي 15 مليون دولار). وتتهم الدعوى البنك الألماني بتوجيه وتعليم موظفيه، بمن فيهم فورلي، على استخدام استراتيجية تداول محظورة تُعرف باسم “سبوفينغ” (Spoofing).
وتقوم استراتيجية “سبوفينغ” على إدخال أوامر بيع وشراء كبيرة في السوق دون نية لتنفيذها، ثم إلغائها بسرعة قبل إتمام الصفقة. الهدف من هذه الممارسة هو خلق انطباع مضلل بوجود عرض أو طلب كبير على أصل مالي معين، مما يؤدي إلى تحريك الأسعار في اتجاه يستفيد منه المتلاعب، ليقوم بعد ذلك بتنفيذ صفقاته الحقيقية بأسعار أفضل.
السياق التاريخي للقضية
تكتسب هذه الدعوى أهمية خاصة بالنظر إلى الخلفية القانونية لجيمس فورلي نفسه، الذي أُدين في الولايات المتحدة عام 2020 بتهمة الاحتيال الإلكتروني المرتبط بنفس ممارسات التلاعب. يزعم فورلي في دعواه الحالية أن كبار الموظفين في “دويتشه بنك” هم من وجهوه لاستخدام هذه الاستراتيجية المحظورة أثناء فترة عمله، مما عرّضه لاحقًا للملاحقة القضائية وألحق به أضرارًا مهنية ومالية جسيمة.
وقد أصبحت ممارسات التلاعب بالأسواق، وخاصة “سبوفينغ”، تحت مجهر السلطات التنظيمية العالمية، لا سيما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. وفي الولايات المتحدة، تم حظر هذه الممارسة صراحةً بموجب قانون “دود-فرانك” للإصلاح المالي وحماية المستهلك، مما أدى إلى تكثيف الملاحقات القضائية ضد المتداولين والمؤسسات المتورطة.
موقف “دويتشه بنك” وتأثير القضية
في المقابل، أكد “دويتشه بنك” في دفوعه القانونية أن فورلي تلقى التدريب اللازم على سياسات الامتثال، وأنه كان يعلم، أو كان ينبغي عليه أن يعلم، أن التلاعب بالأسواق هو أمر غير قانوني ويتعارض بشكل مباشر مع سياسات البنك الصارمة. ونفى البنك بشكل قاطع أن يكون قد أشرف على أو درّب موظفيه على أي ممارسات غير قانونية، مشدداً على أن أي تصرفات فردية من هذا القبيل لا تمثل سياسة المؤسسة.
تمثل هذه القضية تحديًا كبيرًا لسمعة “دويتشه بنك”، الذي واجه سلسلة من الغرامات والتحقيقات التنظيمية في السنوات الأخيرة تتعلق بقضايا مختلفة، من التلاعب بأسعار الفائدة (فضيحة ليبور) إلى ضعف الضوابط المتعلقة بغسيل الأموال. إن نتيجة هذه الدعوى، سواء كانت تسوية أو حكماً قضائياً، ستكون لها تداعيات مهمة ليس فقط على البنك، بل على القطاع المصرفي ككل، حيث تعيد تأكيد أهمية ثقافة الامتثال والمسؤولية الفردية للمتداولين والمؤسسات التي يعملون بها.



