منوعات

سر زرقة السماء في الشتاء.. تفسير علمي من فلكية جدة

كشف رئيس الجمعية الفلكية بجدة، المهندس ماجد أبو زاهرة، عن الأسباب العلمية الدقيقة وراء ملاحظة الكثيرين لازدياد زرقة السماء وصفائها بشكل لافت خلال فصل الشتاء مقارنة ببقية فصول السنة. وأوضح أن هذه الظاهرة ليست مجرد انطباع بصري، بل هي نتيجة لتفاعلات فيزيائية معقدة بين ضوء الشمس ومكونات الغلاف الجوي للأرض.

ظاهرة تبعثر رايلي.. التفسير الفيزيائي

وبيّن أبو زاهرة أن الضوء القادم من الشمس، والذي يبدو أبيض اللون، يتكون في الحقيقة من طيف من الألوان (ألوان قوس قزح). وعندما يمر هذا الضوء عبر الغلاف الجوي، يتعرض لعملية فيزيائية تُعرف بـ "تبعثر رايلي" (Rayleigh scattering). وتحدث هذه العملية عندما يصطدم الضوء بجزيئات الهواء الدقيقة جداً، مثل النيتروجين والأكسجين.

وأضاف أن القوانين الفيزيائية تحكم هذه العملية، حيث يزداد التشتت والتبعثر كلما كان الطول الموجي للضوء أقصر. وبما أن اللون الأزرق يمتلك طولاً موجياً قصيراً، فإنه يتبعثر في كل الاتجاهات بدرجة أكبر بكثير من اللون الأحمر ذي الطول الموجي الطويل؛ مما يجعل السماء تكتسي بتلك الحلة الزرقاء المميزة خلال ساعات النهار في الأجواء الصافية.

خلفية تاريخية عن اكتشاف الظاهرة

وتعود تسمية هذه الظاهرة إلى الفيزيائي البريطاني اللورد رايلي (جون ويليام ستروت)، الذي قدم في القرن التاسع عشر تفسيراً علمياً دقيقاً لسبب زرقة السماء. وقد ساهمت أبحاثه في فهمنا العميق للبصريات وسلوك الموجات الضوئية، وهو ما يفسر لماذا نرى السماء زرقاء نهاراً وحمراء عند الغروب، حيث يقطع الضوء مسافة أطول في الغلاف الجوي وقت الغروب، فيتشتت الأزرق بعيداً ولا يصل إلينا سوى الأحمر والبرتقالي.

دور انخفاض الرطوبة وزاوية الشمس في الشتاء

وأشار رئيس الجمعية الفلكية بجدة إلى عوامل إضافية تعزز من زرقة السماء شتاءً، أبرزها انخفاض مسار الشمس في السماء نتيجة ميل محور الأرض. هذا الانخفاض يزيد من المسافة التي يقطعها ضوء الشمس داخل الغلاف الجوي، مما يعزز من فرصة تبعثر الضوء الأزرق وهيمنته على المشهد.

كما أوضح أن انخفاض مستويات الرطوبة في فصل الشتاء يلعب دوراً حاسماً؛ حيث تقل كمية بخار الماء وقطراته العالقة في الجو. هذه الجزيئات الكبيرة نسبياً تتسبب عادة في نوع آخر من التشتت يُعرف بـ "تبعثر مي" (Mie scattering)، والذي يشتت جميع ألوان الطيف بشكل متساوٍ تقريباً، مما يجعل السماء تبدو بيضاء أو ضبابية كما يحدث في الصيف الرطب. ومع غياب هذا النوع من التشتت شتاءً، يبقى المجال مفتوحاً لتبعثر رايلي ليمنحنا سماءً زرقاء نقية.

العين البشرية وإدراك الألوان

ولفت أبو زاهرة إلى نقطة علمية دقيقة تتعلق بفسيولوجيا العين البشرية، موضحاً أن اللون البنفسجي يمتلك طولاً موجياً أقصر حتى من الأزرق، وكان من المفترض نظرياً أن نرى السماء بنفسجية. إلا أن حساسية شبكية العين البشرية للضوء الأزرق أعلى بكثير من حساسيتها للبنفسجي، بالإضافة إلى أن الشمس تبعث ضوءاً أزرق أكثر من البنفسجي، مما يجعل اللون الأزرق هو السائد في إدراكنا البصري.

أهمية صفاء السماء للرصد الفلكي

واختتم أبو زاهرة حديثه بالتأكيد على أن اجتماع هذه العوامل (انخفاض الرطوبة، تراجع الغبار، زاوية الشمس) يجعل فصل الشتاء موسماً مثالياً ليس فقط للاستمتاع بجمال السماء نهاراً، بل أيضاً لمراقبة النجوم والظواهر الفلكية ليلاً، خاصة في المناطق المعتدلة الواقعة بين خطي عرض 30 و60 درجة، حيث يقل التلوث الضوئي والجوي، مما يعكس صورة واضحة عن التفاعلات الدقيقة في غلافنا الجوي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى