المالية السعودية تستحوذ على 86% من مجموعة بن لادن

في خطوة مفصلية تهدف إلى إعادة رسم الخارطة المالية لقطاع المقاولات في المملكة العربية السعودية، أقرت الجمعية العمومية لمجموعة بن لادن العالمية القابضة زيادة رأسمال الشركة من خلال آلية «رسملة الديون»، وهو ما يتيح لوزارة المالية السعودية الاستحواذ على حصة حاكمة تبلغ 86% من إجمالي أسهم المجموعة. ويأتي هذا القرار تتويجاً لسلسلة من الإجراءات الحكومية الهادفة إلى تصحيح المسار المالي لعملاق التشييد والبناء.
تفاصيل الاستحواذ وإعادة الهيكلة
أوضح مجلس إدارة مجموعة بن لادن العالمية القابضة أن موافقة المساهمين على تحويل الديون القائمة إلى حصص ملكية (أسهم) تعكس ثقة عميقة في الاستراتيجية الجديدة للشركة. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة طوق نجاة مالي سيمكن الشركة من تسوية التزاماتها الضخمة، وتحسين مركزها الائتماني، مما يمهد الطريق لعودتها بقوة إلى ساحة تنفيذ المشاريع الكبرى.
وبموجب هذه الصفقة التاريخية، تضمن وزارة المالية مساهمة مباشرة وفعالة في إدارة دفة الشركة، مما يعزز من حوكمتها ويضمن استقرارها المالي على المدى الطويل، بعيداً عن تقلبات السيولة التي عانت منها المجموعة في السنوات الماضية.
سياق تاريخي: من الأزمة إلى التعافي
تعد مجموعة بن لادن واحدة من أكبر شركات المقاولات في الشرق الأوسط، ولطالما ارتبط اسمها بتنفيذ أضخم المشاريع في المملكة، وعلى رأسها توسعة الحرمين الشريفين. إلا أن المجموعة واجهت تحديات مالية وتشغيلية معقدة خلال السنوات الماضية، بدأت تداعياتها بالظهور بشكل جلي منذ عام 2015، تزامناً مع حادثة رافعة الحرم وتذبذب أسعار النفط الذي أثر حينها على الإنفاق الحكومي.
وقد خضعت المجموعة لعمليات إعادة هيكلة واسعة وتغييرات إدارية متعددة في محاولة لتجاوز أزمة السيولة وتراكم الديون المستحقة للمصارف والموردين، لتأتي خطوة استحواذ وزارة المالية كحل جذري ينهي حالة عدم اليقين المالي.
الدعم الحكومي ودور المركز الوطني لإدارة الدين
لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل سبقتها ترتيبات مالية دقيقة. فقد أعلن المركز الوطني لإدارة الدين في السعودية سابقاً عن نجاحه في ترتيب قرض مجمّع لصالح وزارة المالية بقيمة وصلت إلى 23.3 مليار ريال سعودي، بالتعاون مع تحالف من البنوك المحلية والدولية. وكان الهدف المعلن لهذا التمويل هو دعم مجموعة بن لادن وتمكينها من سداد مستحقات البنوك النقدية، مما يؤكد التزام الحكومة بالحفاظ على استقرار النظام المصرفي ودعم الشركات الوطنية الكبرى.
الأهمية الاقتصادية ومواكبة رؤية 2030
يكتسب هذا الاستحواذ أهمية استراتيجية قصوى تتجاوز حدود الشركة نفسها؛ إذ يعتبر قطاع البناء والتشييد المحرك الرئيسي للمشاريع العملاقة (Giga-projects) التي تتبناها «رؤية المملكة 2030»، مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية. ويتطلب إنجاز هذه المشاريع وجود كيانات مقاولات ضخمة تتمتع بملاءة مالية قوية وقدرات تنفيذية عالية.
ومن خلال هذا الدعم الحكومي المباشر، تضمن المملكة استمرار وتيرة العمل في المشاريع الحيوية، والحفاظ على سلاسل الإمداد في قطاع المقاولات، بالإضافة إلى حماية آلاف الوظائف المرتبطة بنشاط المجموعة، مما يعزز من جاذبية البيئة الاستثمارية في المملكة.



